السبت، 30 أغسطس 2025

هل كان "نزار " شعوبيا جاهلا منافقا ، يكتب الشعر بالأجر ؟




حين يتحول النقد إلى شتيمة ، وحين يردح الأدباء



حين أصدر " نزار قبانى " ديوانه (قصائد مغضوب عليها ) سلقته ألسنة حداد لنقاد كبار ، وجاءه الناقد جهاد فاضل طالبا منه الإجابة عن سؤال واحد عن معنى الشعر ووظيفته ، كان الديوان قد آلمه ، وهو يشعر بكم الاستهزاء والكراهية والحقد والاستهانة والشعوبية لدى نزار ، فسب الشعوب والأوطان والحكام والتاريخ والحاضر والمستقبل أيضا مثلا يقول : (تاريخك يا مولاتى تاريخ مزور ) ( وطن ممسوخ كالصرصار ) ( وطن سادى وفاشى وشحاذ ونفطى وأممى ورجعى وجنسى ) .. ولهذا دار حوار فى القاهرة بين الناقد والشاعر ، استغرق أقل من الساعة قليلا ، عاد بعدها جهاد فاضل إلى بيروت ليجهز الحوار لمجلة الحوادث ، ولكن رسالة تصله من نزار يرسلها له من سويسرا حيث يعمل وقتها دبلوماسيا ، يطلب منه نزار نشر حوار جديد تماما من تأليف ورد وإخراج ومونتاج نزار نفسه ، لكن الناقد تماسك ونشر الحوار الحقيقى لا المزور ، وقامت الدنيا ، وغضب نزار ، وأرسل لرئيس تحرير الحوادث يشكو الناقد متهما إياه بأنه غير اسمه من جزويف إلى جهاد ، راكبا موجة القومية وقال نزار أن محاوره قد احتكر الصفحات لنفسه ليتكلم وحده ويردح وحده بتعبير نزار ، ولم يكن كلام نزار نطقيا ، فرد عليه "فاضل واصفا شاعرنا أنه ذو ثقافة سياسية ضحلة ، وتجربة وطنية أكثر ضحالة ، وأنه حبير برائحة الأجساد لا رائحة الأوطان وأنه يبوس أيدى السلاطين وغيرهم فى الوقت المناسب ثم اتهمه بأنه يكتب للغير بأجر .. وكانت أهم معركة ادبية سجلها جهاد فاضل فى كتاب صدر وقتها عن دار الشروق تحت عنوان " فتافيت شاعر " .



بعد أن يحكى لنا العم يحيى حقى ملخصا لرواية " زينب " للدكتور هيكل ، تلك الحضانة البواسة ، ثم ينبه تنبيها نبيلا مثله قائلا " ما أرخصها من براعة لمن يمتشق قلمه لتفنيد هذه الحكاية " هو تعبير يتخوف أن يصير النقد سبابا وجدالا و"ردحا " لكن هذا التحول النقدى له تاريخ طويل ومعقد ...
تصور.. ابن المعتز يرسل رسالة إلى أستاذه أبى العباس ثعلب ، يتشوقه قائلا :
ما وجد صاد بالحبال موثق بماء مزيد بارد مصفق
فيرد ثعلب على رسالة المحبة هذه قائلا له :
أخذت – أطال الله بقاءك – أول هذه الأبيات مما أمليته عليك من قول جميل ( وما صاديات حمن يوما وليلة / على الماء يخشين العصى حوانى ) وآخره مثل قول رؤبة (إني وإن لم ترني فإنني/ أراك بالغيب وإن لم ترني)
********
- ومن أقدم الإشارات على التطرف النقدى ما شهدناه فى سوق عكاظ ، حيث يأتى الشعراء للنابغة ينشدونه شعرهم ، حتى يستمع للخنساء تنشد : ( وإن صخرا لتأتم الهادة به / كأنه جبل فى رأسه نار ) فيقول لها " والله لولا الأعشى أنشدنى آنفا ؛ لقلت أنك أشعر الإنس والجن " ويصاب حسان بن ثابت بالحسرة فيقول له " والله لأنا أشعر منك ومن أبيك " فيرد النابغة بثقة الناقد المتزن الحليم " يابن أخى .. إنك لا تحسن إحسان الأعشى "
وفى العصور التالية ، خاصة العصر العباسى ، ثارت معارك كبرى ، وخرجت كتب تتهم بعض الشعراء بالسرقة ، وتوازن بين شاعر وغيره ، حتى جاء العصر الحديث ، فانتقل الصراع من الأشخاص إلى المذاهب ، بل إن الصراع الموجه إلى الأشخاص كان فى أساسه موجها للمذاهب أيضا ، كان محاولة جادة لزعزعة صخرة الذوق الأدبى بتعير د/ صلاح فضل ، ثم جاء العصر الذهبى للردح الأدبى النقدى ، خلال المرحلة الرومانسية العربية ، مثلما ترسخت شذرات قديمة لدى العباسيين فى صراع الطبع والتكلف ، حتى وصل الحال ببعضهم ليصف أبا تمام بأنه "أفسد الشعر " ومنهم من رآه إماما متبوعا ، مثلما رأى الأصمعى فى زهير والحطيئة عبيدا للشعر ، ورأى أن الشعر قد (استعبدهم ، واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم فى باب التكلف ، وأصحاب الصنعة ومن يلتمس قهر الكلام واغتصاب الألفاظ ) – البيان والتبيين ج2 ص13
مثلما رأينا أبا هلال العسكرى – على سبيل المثال – فى كتاب الصناعتين – يرى أن الشعر ( أكثره بنى على الكذب ، والاستحالة ، من الصفات الممتنعة ، والنعوت الخارجة عن العادات والألفاظ الكاذبة ، وقذف المحصنات وشهادة الزور ،وقول البهتان )
المعركة الكبرى :

لم يكن وعى وثقافة عبد الرحمن شكرى نتيجة قراءة فقط ، إنما كان نتيجة تفكير وتأمل ، واستنطاق لتراث شعرى عالمى ، فقد عاش حياة بسيطة أقرب للفقر ، أوصلته لباب مدرسة المعلمين ، مثلما وصل عبد القادر المازنى لنفس المدرسة ، رغم أنه يصف نفسه بأنه " نشأ فى بيت من بيوت العز " كما يروى عن نفسه ، ولكن حالة الأب قد ارتبكت مما أبعده عن الحقوق ، ورضى بحاله ، وكان المازنى والعقاد وشكرى يفخرون بأصلهم المصرى – كما يذكر أستاذنا عبد المحسن طه بدر – ذاكرا أن العقاد يرد سطحية الشعراء الذين سبقوهم إلى أن أصولهم غير مصرية . ( رغم أن شكرى من أصول مغربية ، والمازنى من أصول حجازية ، ولكن العقاد كان يشير لشوقى من طرف خفى ، وكانت آيات التناقض تظهر فى حياة هؤلاء الشبان ، يقول المازنى (إن الظلمة قد استولت على عوالمنا السياسية والخلقية والعقلية ، وصارت حياتنا مضطربة بصيحات الشك والظمأ إلى المعرفة "
غير أن شكرى كان يلتمس الحديث عن تناقضٍ آخر بين الفزع الرهيب من عقاب الله ، وبين امتلاء نفسه بالشهوات ،، حتى " بلغ بى الفزع من عقاب الله أنى كنت اتخيل عقارب وثعابين فوق الفراش ، وأحيانا أتخيل فراشى كله حجرات من نار " ثم يوضح فى نفس الكتاب – الاعترافات – كيف أن الشهوات حوائج أخرى قلما يعوق عنها الفزع من عواقبها " .
ومن هنا بدأ الشبان الثلاثة فى محاولة الاستيلاء على أرض جديدة تجعلهم محط النظر فى هذا المجتمع القاسى ، الذى دمرته حرب مخيفة ثم ثورة عاصفة عام 1919م ، ثم ثورة أخرى هى التى خلفها كتاب الديوان فى الأدب بجزئيه ، حيث ظل العقاد والمازنى فى الكتاب "يناطحان صخرة الذوق العام " – والتعبير لدكتور صلاح فضل – وللأسف كان وقود المعركة هو زميلهما عبد الرحمن شكرى .
نقد أم ردح :
بدأت بوادر الديوان تنذر بمعركة قادرة على خلخلة بنيان الذوق الأدبى الراسخ ، ولم تكن ردود الأفعال أقل حدة من المقالات ذاتها ، فالعقاد يتهم الرافعى بأنه سطا على نقده لنشيد "شوقى " ، فما ترك شيئا مما قاله العقاد إلا وأعاد صياغته وكأنه ببغاء ، ثم يصفه بأنه " من خفافيش الأدب " ، ثم يقول فى وصلة نهائية ( لا هوادة بعد اليوم ، السوط فى اليد ، وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت )
وكان الرافعى أشد قسوة وجرأة ، فيصفه فى كتابه " على السفود " بأنه لص يسرق ما يكتبه من الجرائد من مترجماته ، ثم يصف العقاد صراحة بالجلف الحقود المغرور ، يجيد فيما يجرى به اللؤم والحقد .. يقول مثلا (لو بصق ابن الرومى لغرق العقاد فى بصقته)
ثم يعلق على قول العقاد : (إنى إلى الرعى من عينيك مفتقر / يا ضوء قلبى فإن القلب مدجان )
يعلق الرافعى قائلا : ألا تشعر أنك بعد الأبيات الأولى سقطت من ألف متر إلى بيت العقاد ، فلا تتمه حتى تقول : " آه آه الإسعاف .. الإسعاف وهل من يغلط ثمانى غلطات فى بيت واحد مع سخافته التى هى الغلطة التاسعة ، يمكن أن يسمى شاعرا أو أديبا إلا فى رأى الحمقى ؟! .
وإن كان هذا شأن الرجلين ، فقد كان شكرى عف اللسان ، وهو يستمع للمازنى يكيل له الاتهامات الباطلة ، واصفا إياه بـ " صنم الأعاجيب " و" المرزوء فى عقله " إلخ
أما أساس هذه الموجة العاتية المتطاولة التى أغرقت شكرى ، فأردتته قتيل الفؤاد ، فكان مقاله الذى ذكر فيه شيئا من سرقات المازنى ، قائلا مثلا : ( ولقد لفتنى أديب إلى قصيدة المازنى التى عنوانها "الشاعر المحتضر " واتضح أنها مأخوذة من قصيدة " أدونى " للشاعر الإنجليزى " شيللى " كما لفتنى صديق آخر لقصيدة المازنى التى عنوانها " قبر الشعر " وهى منقولة عن " هينى " الشاعر الألمانى ولفتنى آخر إلى قصيدة .... واستمر شكرى فى سرد سرقاته منهيا مقاله بقوله " ولا أظن أحدا يجهل مدحى المازنى وإيثارى إياه وإهدائى الجزء الثالث من ديوانى إليه ، ولكن هذا لا يمنع من إظهار ما أظهرت ومعاتبته فى عمله ، لأن الشاعر مأخوذ إلى الأبد بكل ما صنع فى ماضيه " – مقدمة الجزء الخامس من ديوانه صـ373
أما المازنى ، فقد حاول " تفصيل " ثوب من الموضوعية للأمر ، وبحث عما يدين شكرى فلم يجد ، فقاد هجمته دون إشارة لما قاله صاحبه حول سرقاته .
وكان المازنى قد كتب فى صحيفة " عكاظ " عام 1913م مجموعة مقالات جمعت فى كتاب بعنوان "شعر حافظ " عام 1915م اتخذ المقارنة بين شكرى وحافظ أساسا لهدم حافظ ومذهبه ، معليا من شأن شكرى ، وختم مقاله بقوله " وبعد .. فإن حافظا إذا قيس إلى شكرى لكالبركة الآجنة إلى جانب البحر العميق ... شكرى أسمح خاطرا ، وأخصب ذهنا ، وأوسع خيالا " .
وبقدرة قادر تحول شكرى إلى "صنم الأعاجيب " وصار " خمول شكرى وفشله واضحا فى كل ما عالجه " هذا " المرزوء فى عقله " .. " متكلف لا مطبوع " "جاهل بوظيفة الشعر " " الأبكم المسكين " فماذا بعد ذلك ؟
- البلطجة النقدية :
منذ " حصاد الهشيم " والمازنى مولع بالسخرية من كل شىء ، فيشبه المتنبى بـ " نابليون " الذى يصفه بانه ( من أقل الناس كرما ، ومن اخونهم عهدا ، وأغدرهم ضميرا وأفجرهم يمينا ، لا يأنف أن يتدلى إلى سرقة الحق ، أو يتسفل إلى الكذب ) وكلاهما ( وضيع النشأة ) .
لكنه يتجاوز ذلك كله فى " الديوان " بل يسبق لأمر لم يكتشفه أحد قبله ، وهو سب الكاتب وسب من يقرأ له أيضا ، فبعد ان سخر من المنفلوطى ونفسه وحياته وأدبه ، متحدثا عن "الحلاوة والأنوثة والنعومة " فى كتاباته ، سائلا : ماذا فى أدب المنفلوطى يستحق أن يكون ادبا ؟ ثم يسخر من نهاات أبطاله التى يتلقفهم الموت قائلا ( فبالله ما لهذا الحانوتى الندابة وللادب ؟) ثم يهجم علينا بمفاجأته الكبرى قائلا ( ولكن لكل كاتب قراءا على شاكلته ، منسوجين على منواله ، وأن اخوف ما نخاف أن على هذه الأمة أن ترى هذه الجراثيم صالحا فى نفوسهم " .
ــ العقاد على السفود :
حربان كبيران خاضهما العقاد كناقد أدبى ، صمت احد المحاربين ونطق الآخر ، الحرب الأولى مع شوقى ، والثانية مع "الرافعى " ويبدو أن صمت شوقى والمنفلوطى وشكرى ، قد طمأن الرجلين ، رغم ما فى نقدهما من ( تطرف وإجحاف وتحامل ) كما يقول دكتور ماهر شفيق فى تقديمه لنخة كتاب الديوان بمكتبة الأسرة ، حيث أشار العقاد لأصحاب شوقى وقرائه بأنهم السفهاء الذين يتابعون "مِــدَحه " فى "الخرق المنتنة " يقصد الصحف ، وأنه ليس للحشرات الآدمية التى تصدرها ، غير فضلات الجبناء وذوى المآرب والحزازات " أما فى صراعه مع الرافعى ، يصفه بـ " الببغاء والسارق " مهددا إياه قائلا ( إيه يا خفافيش الأدب ، أغثيتم نفوسنا ، أغثى الله نفوسكم الضئيلة ، لا هوادة بعد اليوم السوط فى اليد ، وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت ، وسنفرغ لكم أيها الثقلان )
وقد كان الرافعى أحد لسانا ، وأقدر مجابهة ، فبعد ان يصفه فى كتابه " على السفود " – وهو تجميع لمقالات نشرت فى مجلة العصور عام 1930م – يصفه باللؤم والخسة والسرقة ، منتقدا قوله ( ولهذا الظلام خير من النور / إذا كنت لا ترى وجه حر ) فيقول ( هنا تظهر سخافة العقاد بأجلى مظاهرها ، فكلامه لئيم ، وأسلوبه لئيم ، وسرقاته لئيمة .. ألا يغور هذا المتشاعر فى الأرض فى الأرض وهو يعرف أنه يسرق قول القائل ( أتمنى على الزمان محالا / أن ترى مقلتاى طلعة حر ) ويكمل ( ثم يزعم المتشاعر أنه يعارض ابن الرومى ، ولعمرى لو بصق ابن الرومى لغرق العقاد فى بصقته ) .
وهكذا رأينا سجالا نقديا يتعدى النقد إلى الردح والسب والشتم ، لكن بقى أمران : أولهما : هذا التحريك الفعلى لسكون بحيرة النقد ، والدعوة الجادة للقراءة حتى يتاح للمتصارعين البحث عن حجج .
أما الأمر الثانى : ان هذا التقاذف النقدى ، رغم ما به من تجاوز ، ظل حبيس الورق لم يتعداه إلى المحاكم وساحاتها ... وهو امر لو تعلمون عظيم .
إبراهيم محمد حمزة

ليست هناك تعليقات: