النبوة فى كتابين
طبيعة النبوة بين العقل الغائب والنص الخادع واتباع المستشرقين
تصور المسلم لطبيعة النبوة ، يأتى من مصدرين : القرآن والسنة ، وتفسيراتهما ، ولمقام النبى عليه السلام تقديس عند كل مسلم ، لا يستوى وبعض ما يتناثر من كتابات وآراء تسلب النبى عصمته ، وتتحدث عن أميته ، وتصم أبويه بالكفر وتبشرهم بالنار ، ومن هنا تأتى قيمة كتاب " النبوة فى نهج البلاغة " للدكتور أحمد راسم النفيس ؛ ليقدم صورة عادلة نقية عن النبى عليه السلام ، رافضا الصورة التى راجت من خلال وبعض كتب الحديث السيرة ، التى يراها النفيس تشارك فى الإساءة للنبى عليه السلام مثلما يفعل الغرب .
- ضفاف أخرى :
وعلى الجانب الآخر ، بين أيدينا كتاب لمؤلف مصرى يعمل أستاذا بجامعة إكستر البريطانية ، هو الدكتور محمد عبد الحى شعبان " والذى أصدر كتابه "islamic history" عن جامعة كامبردج ، و قام بترجمة الجزء الأول منه الدكتور إبراهيم عوض ، ثم علق عليه وأفسد أباطيله بأستاذية معهودة فيه ، فى هذه الدراسة يرى الدكتور شعبان أن ( ظهور هذا الدين [ يعنى الإسلام ] مرجعه إلى نشوء نظام قائم على الرق ، داخل مجتمع بدائى فى طريقه للانهيار ، وينقل عن "مونتجمرى وات " من كتابه "محمد النبى ورجل الدولة " أن الانهيار الأخلاقى صاحبه انحطاط فى الحياة الدينية لدى المكيين ، ورغم ذلك فإن الله – والتعبير لشعبان – كان أحد الألهة المكية ، برغم أنه قبل عصر محمد كانت قد تقدمته آلهة أخرى "
ثم يبدأ الدكتور شعبان فى صياغة نظرية تجارية فى النبوة ، رابطا بين تجارة قريش وبين دعوة الدين الجديد ؛ حيث بدأت قريش من البداية فى تدعيم "الكومونولث المكى " – بتعبيره – بوجود أفراد من قبائل أخرى كقبيلة تميم يشتركون فى الميليشيا القبائلية ، ومن هنا برزت مكة كميدان للثروة والقوة ، ثم يأتى دور محمد كأحد المشاركين النشطين فى هذه التجارة ، ثم يلقى "شعبان " بمفاجأته الأولى : ( ومن وجهة نظر المؤرخ – يعنى نفسه – فإن ثورة محمد وأسلوبه فى الحكم ، ينبغى ان يفسرا ويفهما فى إطار البيئة التى ينتمى إليها ،وما دام الكلام عن مكة ، فهذا معناه التجارة ، إن التعاون بين الأغنياء والفقراء المبدأ الأساسى فى دعوة محمد على مدار حياته ، فإذا تم هذا التعاون داخل مكة ، فسوف يكون من السهل تعميمه على أفراد الكومنولث أجمعين "
وحين جاء فتح مكة وجاءته القبائل ، فرض عليها ضريبة "الزكاة " ولم تكن هذه الضريبة إلا إحياء لتلك الضريبة القديمة ،التى كانت تدفعها القبائل إذا أرادوا المشاركة فى تجارة مكة ... "
ولم يكن محمدا فى أى شىء من أعماله مبدعا ، وهو نفسه كثيرا ما أكد هذه المسألة ؛ وحتى دينه لم يكن بالشىء الجديد ، وكان كل ما يدعو إليه هو إعادة التطبيق السليم لمبادىء الحقيقة الخالدة ، .. إن محمدا لم ينشىء دولة ، ولا هو وحد العرب ، لقد تسلم نظاما موجودا بالفعل ثم حوّره ... .
- عيوب المنهج .. عيوب الفكر :
الحقيقة أن ما سبق حاولت الالتزام فيه بسياق ولغة كاتبه الدكتور محمد شعبان قدر المستطاع ، والحق أن القارىء العادى سيلحظ كما عجيبا من الغياب للمنهج ، فاعتماده على عدد قليل جدا من المراجع الأجنبية فى موضوع لا علاقة له بالمراجع الأجنبية ، خاصة فى اعتماده على كتب بيلاييف وكستر وسرجنت ووات وكلهم – كما أشار الدكتور عوض شيوعيون ومستشرقون . مستبعدا كتب الطبرى والواقدى والمقريزى وابن الأثير وغيرهم ، وتبدو رائحة المستشرقين لا يطغى على نتنها سوى رائحة النفط التى تبدو جلية فى إهدائه كتابه لوزير النفط السعودى . ويجعل المؤلف الهدف من الهجرة للحبشة تجاريا ، بينما تجمع كتب السيرة على حجة قريش لدى النجاشى أنهم "غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم "
الكلام إذن عن وحدانية وعبادة وعدل ، فمن أين استقى المؤلف أفكاره ؟
إن فصلية شهيرة كفصلية الكونجرس مثلا تتحدث فى عددها الصادر فى عام 1998م مجلد 2 بقلم الدكتور روبرت قائلا : (وكما بداية ايمان مجتمع صغير من المؤمنين في الجزيرة العربية في القرن السابع ، انتشر الاسلام وبسرعة ، أصبحت واحدة من الديانات الكبرى في العالم. وThe core of this faith is the belief that Muhammad (c. 570-632), a respected businessman in Mecca, a commercial and religious center in western Arabia, received revelations from God that have been preserved in the Qur'an. جوهر هذا الايمان هو الايمان بأن محمد ا قد تلقى ما كشف عنه من الله ، وقلب هذه الرسالة هو تأكيد ان "لا إله إلا الله ، ومحمد هو رسول الله". The term islam comes from the Arabic word-root slm, which has a general reference to peace and submission.
أليس من العار أن يفهم غير المسلم طبيعة الدين أكثر من مسلم مصرى شرقى ؟
فإن كان الغلام "عداس " قد قبّل رأس النيى ويديه وقدميه ، فإن هناك من يفضل تقبيل شىء آخر ، هى أحذية أعداء الإسلام .
- محمد النبى الكامل :
هذه هى الصورة النبيلة الصادقة التى قدمها الدكتور أحمد راسم النفيس ، مدافعا عن مقام النبوة أعظم دفاع ، وبشكل عقلانى موثق ، حيث يعترض المؤلف على هؤلاء الذين اعتبروا النبى شخصا عاديا ، ليس له قيمة غير مجال التبليغ ، ولذا فقد وقعت أخطاء منه - يتصورها القوم – كمسألة اختيار موقع يوم بدر ، وموضوع تأبير النخل ، وافتداء الأسرى ... وكأن النبى جاء ليعلمنا الخطأ وليس الصواب ، كما يشير النفيس رافضا فكر من رفع العصمة عن النبى عليه السلام .
فقد اعتمد الدكتور طه حسين مسألة خطأ النبى فى قبول الفداء وقبلها ، وأيضا الشيخ محمد أبو زهرة الذى نفى العصمة عن النبى بنفس تلك الواقعة المزعومة ، فى كتابه عن الإمام الصادق ، ( وللحق فإن محمد أبو زهرة فى كتابه الهام " تاريخ المذاهب الإسلامية " قد بيّن اختلاف أوامر الشرع عن أمور الحياة ، فمن يتصور محمدا صانعا زارعا فهو لا يفرق بين رسول جاء بتشريع من السماء وصانع ذى خبرة فنية أو تاجر عالم بالأسواق " صـ229
كما يبين أبو زهرة أن حديث النبى " إنكم تختصمون إلىّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر ، فمن قطعت له من أخيه ، فإنما اقتطع له قطعة من النار " يشير أبو زهرة إلى أن هذا قضاء ، وليس تشريعا ، وفرق بين القضاء والتشريع ، وينتهى إلى قوله "وخلاصة القول فى هذا المقام أن الخطأ لا يتطرق إلى اجتهاد النبى فيما يقرر من أحكام ، اما شئون الدنيا من صناعات وزراعات ، فليس الخطأ بمستحيل عليه فيها " صـ230
إن الدكتور يصف التصورات المطروحة عن النبوات بأنها تعبر عن حالة من الفوضى والاضطراب التى تسود الساحة الدينية ، ويرى أن أفضل ما يستخلص من كلامه معنى النبوة هو الإمام على بن أبى طالب ، - كرم الله وجهه – فى " نهج البلاغة " رغم أن الكثيرين دافعوا عن عصمة النبى ، مستشهدين بالآيات القرآنية كقول الله تعالى: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). وقوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول…) سورة النساء59.
وأيضا : (إنما وليكم الله ورسوله…) المائدة 55.
وقوله : (وإن تطيعوه تهتدوا…) النور 54.
وقوله : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم…) سورة النساء آية 65.
وهى آيات مؤكدة على عصمة النبى بشهادة الخالق سبحانه وتعالى .
- كارثة البخارى :
بهذا التعبير رأى النفيس ما ذكره البخارى فى باب "التعبير " وأول ما بدىء الرسول وهو ضم جبريل له ، وأمره له : اقرأ ورد النبى ما أنا بقارىء ، ثم سعيه عليه السلام لزوجه خديجة الطاهرة ، قائلا : زملونى زملونى ، ثم ذهابها لورقة بن نوفل الذى كان " امرأ تنصر وكان يكتب الكتاب العربى ، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله له الوقت أن يكتب " ثم " لم ينشب ورقة أن مات ، وفتر الوحى فترة ، حتى حزن النبى حتى غدا مرارا كى يتردى من رؤوس شواهق الجبال" هذه هى الرواية المشهورة التى يوردها النفيس ، ثم يورد بعدها رواية ابن جريرالطبرى فى "تاريخ الرسل والملوك " هذه الرواية التى يراها المؤلف مهينة للنبى ، ويرى الربط بين ورقة وكتابته للإنجيل بالعربية ثم ظهور القرآن ، ثم موت ورقة وفتور الوحى كل ذلك به مساس بشرف النبوة وعصمة النبى ومقامه الكريم .
إن بشرية الرسول ليست كبشريتنا ، فهناك بشر هم والبهائم سواء وصفهم القرآن الكريم مرة بأنهم ( كمثل الكلب ) ومرة ( كمثل الحمار يحمل أسفارا )ومرة ثالثة بالعموم ( أولئك كالأنعام ) فالتشابه الخارجى بيننا وبين النبى فى الإطار الخارجى ، وهو ما وجدت الإمام ابن عربى يعبر عنه فى رسالته " الإنسان الكامل " قائلا
( فأما محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو الإنسان الكامل الذى ساد العالم فى الكمال فلا أكمل منه ) أ.هـ
النبوة فى نهج البلاغة :
طبيعة النبوة بين العقل الغائب والنص الخادع واتباع المستشرقين
تصور المسلم لطبيعة النبوة ، يأتى من مصدرين : القرآن والسنة ، وتفسيراتهما ، ولمقام النبى عليه السلام تقديس عند كل مسلم ، لا يستوى وبعض ما يتناثر من كتابات وآراء تسلب النبى عصمته ، وتتحدث عن أميته ، وتصم أبويه بالكفر وتبشرهم بالنار ، ومن هنا تأتى قيمة كتاب " النبوة فى نهج البلاغة " للدكتور أحمد راسم النفيس ؛ ليقدم صورة عادلة نقية عن النبى عليه السلام ، رافضا الصورة التى راجت من خلال وبعض كتب الحديث السيرة ، التى يراها النفيس تشارك فى الإساءة للنبى عليه السلام مثلما يفعل الغرب .
- ضفاف أخرى :
وعلى الجانب الآخر ، بين أيدينا كتاب لمؤلف مصرى يعمل أستاذا بجامعة إكستر البريطانية ، هو الدكتور محمد عبد الحى شعبان " والذى أصدر كتابه "islamic history" عن جامعة كامبردج ، و قام بترجمة الجزء الأول منه الدكتور إبراهيم عوض ، ثم علق عليه وأفسد أباطيله بأستاذية معهودة فيه ، فى هذه الدراسة يرى الدكتور شعبان أن ( ظهور هذا الدين [ يعنى الإسلام ] مرجعه إلى نشوء نظام قائم على الرق ، داخل مجتمع بدائى فى طريقه للانهيار ، وينقل عن "مونتجمرى وات " من كتابه "محمد النبى ورجل الدولة " أن الانهيار الأخلاقى صاحبه انحطاط فى الحياة الدينية لدى المكيين ، ورغم ذلك فإن الله – والتعبير لشعبان – كان أحد الألهة المكية ، برغم أنه قبل عصر محمد كانت قد تقدمته آلهة أخرى "
ثم يبدأ الدكتور شعبان فى صياغة نظرية تجارية فى النبوة ، رابطا بين تجارة قريش وبين دعوة الدين الجديد ؛ حيث بدأت قريش من البداية فى تدعيم "الكومونولث المكى " – بتعبيره – بوجود أفراد من قبائل أخرى كقبيلة تميم يشتركون فى الميليشيا القبائلية ، ومن هنا برزت مكة كميدان للثروة والقوة ، ثم يأتى دور محمد كأحد المشاركين النشطين فى هذه التجارة ، ثم يلقى "شعبان " بمفاجأته الأولى : ( ومن وجهة نظر المؤرخ – يعنى نفسه – فإن ثورة محمد وأسلوبه فى الحكم ، ينبغى ان يفسرا ويفهما فى إطار البيئة التى ينتمى إليها ،وما دام الكلام عن مكة ، فهذا معناه التجارة ، إن التعاون بين الأغنياء والفقراء المبدأ الأساسى فى دعوة محمد على مدار حياته ، فإذا تم هذا التعاون داخل مكة ، فسوف يكون من السهل تعميمه على أفراد الكومنولث أجمعين "
وحين جاء فتح مكة وجاءته القبائل ، فرض عليها ضريبة "الزكاة " ولم تكن هذه الضريبة إلا إحياء لتلك الضريبة القديمة ،التى كانت تدفعها القبائل إذا أرادوا المشاركة فى تجارة مكة ... "
ولم يكن محمدا فى أى شىء من أعماله مبدعا ، وهو نفسه كثيرا ما أكد هذه المسألة ؛ وحتى دينه لم يكن بالشىء الجديد ، وكان كل ما يدعو إليه هو إعادة التطبيق السليم لمبادىء الحقيقة الخالدة ، .. إن محمدا لم ينشىء دولة ، ولا هو وحد العرب ، لقد تسلم نظاما موجودا بالفعل ثم حوّره ... .
- عيوب المنهج .. عيوب الفكر :
الحقيقة أن ما سبق حاولت الالتزام فيه بسياق ولغة كاتبه الدكتور محمد شعبان قدر المستطاع ، والحق أن القارىء العادى سيلحظ كما عجيبا من الغياب للمنهج ، فاعتماده على عدد قليل جدا من المراجع الأجنبية فى موضوع لا علاقة له بالمراجع الأجنبية ، خاصة فى اعتماده على كتب بيلاييف وكستر وسرجنت ووات وكلهم – كما أشار الدكتور عوض شيوعيون ومستشرقون . مستبعدا كتب الطبرى والواقدى والمقريزى وابن الأثير وغيرهم ، وتبدو رائحة المستشرقين لا يطغى على نتنها سوى رائحة النفط التى تبدو جلية فى إهدائه كتابه لوزير النفط السعودى . ويجعل المؤلف الهدف من الهجرة للحبشة تجاريا ، بينما تجمع كتب السيرة على حجة قريش لدى النجاشى أنهم "غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم "
الكلام إذن عن وحدانية وعبادة وعدل ، فمن أين استقى المؤلف أفكاره ؟
إن فصلية شهيرة كفصلية الكونجرس مثلا تتحدث فى عددها الصادر فى عام 1998م مجلد 2 بقلم الدكتور روبرت قائلا : (وكما بداية ايمان مجتمع صغير من المؤمنين في الجزيرة العربية في القرن السابع ، انتشر الاسلام وبسرعة ، أصبحت واحدة من الديانات الكبرى في العالم. وThe core of this faith is the belief that Muhammad (c. 570-632), a respected businessman in Mecca, a commercial and religious center in western Arabia, received revelations from God that have been preserved in the Qur'an. جوهر هذا الايمان هو الايمان بأن محمد ا قد تلقى ما كشف عنه من الله ، وقلب هذه الرسالة هو تأكيد ان "لا إله إلا الله ، ومحمد هو رسول الله". The term islam comes from the Arabic word-root slm, which has a general reference to peace and submission.
أليس من العار أن يفهم غير المسلم طبيعة الدين أكثر من مسلم مصرى شرقى ؟
فإن كان الغلام "عداس " قد قبّل رأس النيى ويديه وقدميه ، فإن هناك من يفضل تقبيل شىء آخر ، هى أحذية أعداء الإسلام .
- محمد النبى الكامل :
هذه هى الصورة النبيلة الصادقة التى قدمها الدكتور أحمد راسم النفيس ، مدافعا عن مقام النبوة أعظم دفاع ، وبشكل عقلانى موثق ، حيث يعترض المؤلف على هؤلاء الذين اعتبروا النبى شخصا عاديا ، ليس له قيمة غير مجال التبليغ ، ولذا فقد وقعت أخطاء منه - يتصورها القوم – كمسألة اختيار موقع يوم بدر ، وموضوع تأبير النخل ، وافتداء الأسرى ... وكأن النبى جاء ليعلمنا الخطأ وليس الصواب ، كما يشير النفيس رافضا فكر من رفع العصمة عن النبى عليه السلام .
فقد اعتمد الدكتور طه حسين مسألة خطأ النبى فى قبول الفداء وقبلها ، وأيضا الشيخ محمد أبو زهرة الذى نفى العصمة عن النبى بنفس تلك الواقعة المزعومة ، فى كتابه عن الإمام الصادق ، ( وللحق فإن محمد أبو زهرة فى كتابه الهام " تاريخ المذاهب الإسلامية " قد بيّن اختلاف أوامر الشرع عن أمور الحياة ، فمن يتصور محمدا صانعا زارعا فهو لا يفرق بين رسول جاء بتشريع من السماء وصانع ذى خبرة فنية أو تاجر عالم بالأسواق " صـ229
كما يبين أبو زهرة أن حديث النبى " إنكم تختصمون إلىّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر ، فمن قطعت له من أخيه ، فإنما اقتطع له قطعة من النار " يشير أبو زهرة إلى أن هذا قضاء ، وليس تشريعا ، وفرق بين القضاء والتشريع ، وينتهى إلى قوله "وخلاصة القول فى هذا المقام أن الخطأ لا يتطرق إلى اجتهاد النبى فيما يقرر من أحكام ، اما شئون الدنيا من صناعات وزراعات ، فليس الخطأ بمستحيل عليه فيها " صـ230
إن الدكتور يصف التصورات المطروحة عن النبوات بأنها تعبر عن حالة من الفوضى والاضطراب التى تسود الساحة الدينية ، ويرى أن أفضل ما يستخلص من كلامه معنى النبوة هو الإمام على بن أبى طالب ، - كرم الله وجهه – فى " نهج البلاغة " رغم أن الكثيرين دافعوا عن عصمة النبى ، مستشهدين بالآيات القرآنية كقول الله تعالى: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). وقوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول…) سورة النساء59.
وأيضا : (إنما وليكم الله ورسوله…) المائدة 55.
وقوله : (وإن تطيعوه تهتدوا…) النور 54.
وقوله : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم…) سورة النساء آية 65.
وهى آيات مؤكدة على عصمة النبى بشهادة الخالق سبحانه وتعالى .
- كارثة البخارى :
بهذا التعبير رأى النفيس ما ذكره البخارى فى باب "التعبير " وأول ما بدىء الرسول وهو ضم جبريل له ، وأمره له : اقرأ ورد النبى ما أنا بقارىء ، ثم سعيه عليه السلام لزوجه خديجة الطاهرة ، قائلا : زملونى زملونى ، ثم ذهابها لورقة بن نوفل الذى كان " امرأ تنصر وكان يكتب الكتاب العربى ، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله له الوقت أن يكتب " ثم " لم ينشب ورقة أن مات ، وفتر الوحى فترة ، حتى حزن النبى حتى غدا مرارا كى يتردى من رؤوس شواهق الجبال" هذه هى الرواية المشهورة التى يوردها النفيس ، ثم يورد بعدها رواية ابن جريرالطبرى فى "تاريخ الرسل والملوك " هذه الرواية التى يراها المؤلف مهينة للنبى ، ويرى الربط بين ورقة وكتابته للإنجيل بالعربية ثم ظهور القرآن ، ثم موت ورقة وفتور الوحى كل ذلك به مساس بشرف النبوة وعصمة النبى ومقامه الكريم .
إن بشرية الرسول ليست كبشريتنا ، فهناك بشر هم والبهائم سواء وصفهم القرآن الكريم مرة بأنهم ( كمثل الكلب ) ومرة ( كمثل الحمار يحمل أسفارا )ومرة ثالثة بالعموم ( أولئك كالأنعام ) فالتشابه الخارجى بيننا وبين النبى فى الإطار الخارجى ، وهو ما وجدت الإمام ابن عربى يعبر عنه فى رسالته " الإنسان الكامل " قائلا
( فأما محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو الإنسان الكامل الذى ساد العالم فى الكمال فلا أكمل منه ) أ.هـ
النبوة فى نهج البلاغة :
فى فصل بديع بهذا العنوان يرى النفيس أن النبوة شجرة لها جذورها ولها ساق ولها فروع ولها أوراق ولها ثمار ، وهؤلاء الفروع هم أئمة أهل البيت بيت النبوة ، وهو ما وصفه الإمام على بقوله " اختار من شجرة الأنبياء ومشكاة الضياء وذؤابة العلياء ، وسرة البطحاء ومصابيح الظلمة وينابيع الحكمة "
ثم يبدأ المؤلف فى ذكر بعض مناقب الشجرة المحمدية ، لأن من تحمل الرسالة له مقام يختلف عمن أعرض عنها من كافة الكائنات ، فمن قال أن محمدا وآله لا شىء يميزهم عن بقية الناس وبأنهم ملزمون بالدخول فيما دخل الناس فيه وليس العكس بأى حال ، فهم أصحاب الرؤية الأموية السفيانية . ثم يعرج بنا المؤلف فى رحلة ممتعة مع سيرة النبى وأبيه وجده ، وما كانوا يتمتعون به من شرف وعزة ، وكانت لهم الرفادة والسقاية .
ويستمر غوص النفيس فى دراسته حتى يصل لوظيفة الأنبياء التى هى الحجة ، وتنقسم الحجة إلى قسم يتعلق بالبلاغ الأتم الأكمل ، وقسم يتعلق بالتطبيق الأكمل للدين وتقديم الأسوة والنموذج ، ثم يرى أن الأنبياء والمرسلين لا يمكن لهم أن يؤدوا كل تلك المهام بمفردهم ، خاصة مع النبى محمد لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، ولذا يرى النفيس أن مسيرة الإنسان نحو الكمال تقتضى وجود الحجة ، والحجة أو الإمام يقوم باستلام كافة مهام النبوة عدا الوحى والتبليغ ، لذا فوظيفة الحجة هى التبليغ عن رسول الله وليس عن الله تعالى ورد الناس للفطرة السليمة وتذكيرهم بنعم ربهم ، ودفعهم للتحضر الاجتماعى ، وهى مهمة لا تتوقف أبدا .
ولنتوقف أخيرا مع قضية أمية النبى ، ورغم أن الكتاب يحتوى الكثير مما يستحق العرض والنقاش ، فإن قضية أمية النبى تكاد تكون حاكمة ، لأنها كثيرا ما تكون مدخلا للتشكيك ، والإمام على يصف علم النبى قائلا : ( الله تعالى قد قرن ملكا من الملائكة يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه ...." ثم يعلق الفخر الرازى قائلا " وإن كان هذا علم الولى ، فما بالك بعلم النبى ؟! ثم يشرح النفيس أصل هذه الفرية – كما يراها – بأن مرجعها معاوية رأس الفتنة وسبب البلاء ، لأنه لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن واجتماع الناس إليه خطب فقال : " إن رسول الله قال لى : ستلى الخلافة من بعدى .... فلما كان من الغد كتب كتابا ثم جمع الناس فقرأ عليهم "هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية صاحب وحى رسول الله ، الذى بعث محمدا نبيا كان لا يقرأ ولا يكتب ، فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا فكان الوحى ينزل على محمد وأنا أكتبه "
وقليل من الناس من ينتبه إلى أن معاوية قد أسلم يوم فتح مكة ، أى فى ختام مرحلة النبوة ، وأن القرآن إنما جمع من صدور الرجال لا من مدونات معاوية " .
وهكذا سيكون على القارىء لكتب النفيس ، الاستعداد التام للتفكير ، وهو أمر صار نادرا فى هذا الزمان .
إبراهيم محمد حمزة