الثلاثاء، 2 سبتمبر 2008

رمضان والشعراء

كلما ازداد المرء غوصا فى كتب التراث ، كلما أدرك سماحتهم ، وسعة أفقهم ، وقدرتهم على الاستمتاع بطيبات ما أحل الله لنا ، كذلك جرأتهم على ما قدسه غيرهم ، وهى جرأة غير محمودة على الدوام ، لكنه إخراج لما فى الباطن ، غير مكترثين بما يجرى ، وتناول الشعراء لشهر رمضان المعظم نموذج لهذا التنوع العجيب الثرى فى تراثنا العربى .
- الصوم فى القبر :
هذا هو ما رآه شبيل بن ورقاء ، والذى يقول عنه ابن قتيبة فى " الشعر والشعراء " أنه أدرك الإسلام ، وأسلم إسلام سوء ، وكان لا يصوم شهر رمضان، فقالت له بنته، ألا تصوم؟ فقال
:تَأْمُرُنى بالصَّوْمِ لا دَرَّ دَرُّهاوفى القَبْرِ صَوْمٌ لا أَباكِ طَوِيلُ .
وبلا شك ستستمتع بمحاورات طويلة حول النية ، وحول رمضان كاسم علم ، وهل يجوز أن نقول رمضان بلا شهر ، وستجد خلافا طريفا بلا شك بين اللغويين ، وسنجدهم يسترشدون برؤبة ابن العجاج الذى قال فى أرجوزته الشهيرة :
أتى في رمضان الماضي جاريةٌ في درعها الفضفاض
وياتى البغدادى فى " خزانة الأدب " ليذكر ما قاله ابن هشام اللخمي في شرح البيت السابق مستشهدا بجواز ورود كلمة رمضان بدون شهر وورد عن الكسائي، قال: كان الرؤاسي يكره أن يجمع رمضان، ويقول: بلغني أنه اسمٌ من أسماء الله تعالى.
ويبدو اهتمام الشعراء بمديح رمضان بالغا ، لكن العجيب أن ما اشتهر من ذكر شهر رمضان كان مزاح رمضان وأحيانا ذمه ، وأحيانا اللعب على التحلل من قيوده الشرعية ، وقد أكثر الشعراء من العشق فى هذا الشهر ، وحين كان يجابه من المحبوبة بذكر رمضان كان يبحث عن تبرير فنى شرعى فكاهى للميل عن خشية الحبيبة من الحرام ، وكأن الحرام فى رمضان لا فى غيره ،
وفى كتاب " قرى الضيف " لابن أبى الدنيا (عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس ) الصادر عن أضواء السلف بالرياض عام 1997م يروى المؤلف عن الصاحب :
راسلت من أهواه أطلب زورة فأجابني أو لست في رمضان
فأجبته والقلب يخفق صبوة أتصوم عن بر وعن إحسان
صم إن أردت تحرجا وتعففا عن أن تكد الصب بالهجران
أولا فزرني والظلام مجلل واحسبه يوما مر في شعبان .
ويبدو ظرف الشاعر فى تخريجه الشرعى ، حيث العشق واللقاء يراه نوعا من " البر والإحسان " ،
ولذلك فالصوم لدى شاعرنا هو صوم عن إرهاق المحبوب وإعناته ، وهو مفهوم لطيف حقا . الحرب على رمضان : أول من أعلنها – برأى أستاذنا الدكتور محمد رجب البيومى – هو الشاعر هو هذا الأعرابي الفدم الذي يروي ابن قتيبة في عيون الأخيار قصته فيقول:" قدم أعرابي على ابن عم له بالحضر، فأدركه شهر رمضان، فقيل له: يا أبا عمرو، لقد أتاك شهر رمضان! قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام! قال: أبِالليل أم بالنهار؟ قالوا: بل بالنهار؛ قال: أفيرضون بدلاً من الشهر؟ قالوا: لا؛ قال: فإن لم أصمْ؟ قالوا: تُضرب وتُحبس... فصام أياماً فلم يصبر، فارتحل عنهم إلى غيرهم وجعل ينشد: يقول
بنو عمي وقد زرتُ مصرَهم تهيّأ أبا عمرو لشهرِ صيامِ
فقلتُ لهم هاتوا جرابي ومزودي سلامٌ عيكم فاذهبوا بسلامِ
فبادرْتُ أرضاً ليس فيها مسيطرٌ عليّ ولا مناعُ أكلِ طعامِ"
غغير أنى لاحظت عدم تحديد ابن قتيبة زمنا لهذاالحدث ،إنما أورده فىحديثه عن آداب الطعام ، ذاكرا قبله وبعده طرائف الصائمين ،كهذا الذىرد على زوجته التى عزلته فى الصوم فقال لها :
أتأمرني بالصّوم لا درّ درّها وفي القبر صومٌ يا أميم طويل
وهوذات البيت الذى ذكره ابن قتيبةأيضا منسوبا لشبيل بن ورقاء فى "الشعر والشعراء " ، وأظن أن الفرزدق- المولود سنة 14هجرية - أيضا سباق فى ذكر رمضان ، وجاء فى "ديوان المعانى " لأبى هلال العسكرى استملاح المؤلف لمعنى أبيات الفرزدق التى يقول فيها : إذا ما مضى عشرونَ يوماً تحركت أراجيفُ بالشهرِ الذي أنا صائمهوطارتْ رقاعٌ بالمواعيدِ بيننا لكيْ يلتقي مظلومُ قوم وظالمهْويعلق قائلا "ومعاني هذه الأبيات كلها مبتكرة لم يسبق إليها الفرزدق." ص429-
أخبار الأكلة :
وقد ظلت ثورة البعض من الشعراء على رمضان ، وبدأوا يصفونه فى جرأة بالثقل ، والطول ، وتمنى بعضهم لو صار رمضان كله ليلا ، بلا نهار ، حتى لا يمتنعوا عما يشتهونه ، وإلى جانب ذلك فاضت أشعار الشعراء بالترحيب والتقديس والتبريكات بقدوم الشهر ، ومديح الممدوحين بتشبيههم به كرما وفضلا ، غير أن الطبيعة البشرية تتوقف عند الخارج عن الأطر دوما ، فينتظرون هذا الخروج ، وكأنه يمثل شىء شعروا به ولو شعورا عابرا ، ويبدو أن الجوع والخمر والنساء – بهذا الرتيب – أسباب ضيق الشعراء بالصوم ، خاصة وقد رأينا عجبا فى عشق بعض مشاهير العرب للطعام ، وفى " نهاية الأرب " يذكر النويرى طرفا من مشاهير الأكلة حيث ، يذكر أن معاوية بن أبي سفيان أتى بعجل مشوي، فأكل معه دستا من الخبز السميد، وأربع فراني، وجدياً حاراً، وجدياً باردا، سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلاء الرطب، فأتى عليه. ومنهم الحجاج بن يوسف، قال سالم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج مع ولده، وأنا غلام، فقالوا جاء الأمير، فدخل الحجاج وأمر بتنور، فنصب، وأمر رجلا يخبز خبز الماء ودعا بسمك، فأكل حتى أتى على ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الماء.ومنهم سليمان بن عبد الملك، روي أنه شوى له أربعة وثمانون خروفا، فمد يده إلى كل واحد منها فأكل شحم أليته ونصف بطنه، مع أربعة وثمانين رغيفا، ثم أذن للناس، وقدم الطعام، فأكل معهم أكل من لم يذق شيئا. ولذلك استقبل البعض من الشعراء شهر رمضان بالفرح ، لما يمثله لهم من " قطائف وكنافة وغيره ، ويذكرالعماد الأصبهانى فى " خريدة القصر وجريدة العصر" أبيات لابن اسيبويه الكاتب، وكان حاضراً عند القاضي الفاضل: وقال فى القطائف المقلوة: أَهلاً بشهرٍ غدا فيه لنا خَلَفٌأكلُ القطائف عن شربِ ابنةِ العنبمن كل ملفوفةٍ بيضٍ إلى أُخَرٍحُمْرٍ من القَلْي تَشْفِي جِنَّة السَّغَبوافى الصيامُ فوافتنا قطائفُهُ كما تَسَنَّمتِ الكُثْبانُ من كَثَبِولا أظنك صادفت جرأة فى البوح بالمنكرات ، مثل ما تقرأه فى ديوان المعانى " لأبى هلال " فى ليلة الشك ، وكيف استقبل الشاعر المجهول رمضان : أقول لصاحبيَّ وقد بدا لي هلالُ الفطرِ من تحتِ الغمامسنسكرُ سكرةً شنعاءَ جهراً وننعرُ في قفا شهر الصيام
ومن يطالع كتاب " حلية الكميت " لشمس الدين النواجى والذى طبعته سلسلة الذخائر رقم 27، سيجد كثيرا من دلائل عشق العرب للخمر بصورة لا تكاد تصدق . وربما لم يستقبل شاعر شهرنا الكريم أسوأ من ابن الرومى ، ومن طالع ديوانه سيجد ذما وذما وذما فى رمضان ، ورغم ذلك يجرؤ على تهنئة الخلفاء والسادة بقدومه ، ولذا وجدنا "الراغب الأصفهانى " فى "محاضرات الأدباء " يذكر ابن الرومى بعد ذكره لهذه الواقعة لمجوسى " أسلم مجوسي فأطل عليه شهر رمضان فعجز عن الصوم فقيل له: كيف ترى في الإسلام؟قال:وجدنا دينكم سهلاً علينا شرائعه سوى شهر الصيامويقول ابن الرومي: شهر الصيام وإن عظمت حرمتهشهر ثقيل ٌ بطيء السير والحركهيا صدق من قال: أيام مباركة إن كان يكنى عن اسم الطول بالبركه!ولا يذكر شعر رمضان وننسى ما نسب أبى العتاهية ، وأحيانا للمحاربى ، حدث بعض الرواة قال: دخل المؤمل بن أميل المحاربي مسجد الكوفة في يوم جمعة، وقد نمى إلى الناس خبر وفاة المهدي، وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك، فقال رافعاً صوته:(مات الخليفة أيها الثقلان) قال فقال جماعة من الأدباء: هذا أشعر الناس; نعى الخليفة إلى الجن والإنس في نصف بيت، وأمده الناس أبصارهم وأسماعهم متوقعين لما يتم به البيت فقال: (فكأنني أفطرت في رمضان)قال: فضحك الناس به، وصار شهرة.وجاء فى العمدة فى محاسن الشعر ونقده وفى حديث ابن رشيق عن غريب الرثاء وعن اللفظ الردىء مع جودة المعنى . وأخيرا رحم الله شاعرنا الأمير شوقى بك ، وقد زرع رايات فرحه حين ذهب رمضان ، وعاد إلى معشوقته :رمضان ولى هاتها يا ساقى مشتاقة تسعى إلى مشتاق .

الأحد، 23 مارس 2008

لـْو أَنّى أملكُ نصفَ نساءِ الدنيا !!





لـْو أَنّى أملكُ نصفَ نساءِ الدنيا !!
لأضعت سنينَ العمرِ جميعًا
أتأملُ هذا الثغرَ الباهرَ
وأشاكسُ هذا الخصرَ الساحرَ
وأضيفُ النهدَ النافرَ ….
فوق العودِ الطازجِ مثل الخسِ البلدىِّ الأخضر
فى لون عيون الحلواتِ جميعاً
…………
لو أنى أملك نصف نساء الدنيا !!
لكتبت القهرَ عليهنّ جميعا
فأصادرُ حريتَهنّ
وأخرس ألسنة لا تنطق إلا بالويل
وأصادر حرية هذا النهر من الفيروز
أتملك زهر الشهد فى يوم النيروز
وأغازل هذا العود
*********
لو أنى أملك نصف نساء الدنيا !!
لظللت أعب وأنهل حتى الرى
وحتى الموت
أشبع منهن ولا أبقى للشهوة صوت
أشعل أستار الغرفة نارا
أفشى أسرار النسوة أنهارا
وسآمرهن يَرُحْــنَ، يجـئن أمامى
يتعطرن كثيرا
يتخففن كثيرا
فلماذا يخشين سهامى
ولماذا أنام ؟!!!
وبين يدى أجمل من أحلامى ؟!!
*****
لو أنى أملك نصف نساء الدنيا !!
لعشقت الروح العربية
وأخذت لنفسى حورية
تصحبنى فى باقى العمر
حيث أكون …
فى مستشفىً للأمراض العقلية
.

الجمعة، 7 مارس 2008

من يعرف السر ؟ (قصة للأطفال ) ـ مهداة للكبير دائما عم فؤاد حجازى




قالت " بطوطة " لأمها :
- " رجاءً يا أمى .. أنا أخاف البحر .. أنا لا احب العوم "
ابتسمت الأم ضاحكة من قول البطة الصغرى ةمن ملامح الرعب التى ارتسمت على وجهها كلما فكرت أنها ذاهبة للبحر ..
قالت لها : حبيبتى .. لابد من تعلم العوم ، حتى تلتقطى السمك ببراعة "
قالت الصغيرة باكيةً : " أنا لا أحب البحر لا أحب العوم لا أحب السمك "
وأخذت تبكى
فى اليوم التالى ، ومع شعاع الشمس الذى قبّل خد " بطوطة " انطلقوا جميعا إلى البحر ، لكنها قررت الجلوس تحت شجرة ؛
لتشاهد أخواتها وأمها يسبحون ويلعبون وهم يشكلون دوائر تقترب وتتباعد ، ثم تقفز بطة لتلتقط سمكة ، وتهبط أخرى إلى الماء لتخرج بصيدها الفضى ,,
شبع البط اكلا ولعبا ، خرجت بعض البطات إلى الشط ، كل واحدة تمد رجليها بسعادة وانتشاء ، ثم تستلقى فى ظل شجرة ..
كل يوم يتكرر الأمر ، و" بطوطة " تزداد ضعفا وحزنا ؛ إلى أن قررت الأم قرارها ، واستلمت " بطوطة " ركنها اليومى ، وشبح الخوف من البحر ينام فى عيونها ،
ظلت تطالع أخوتها كالعادة ، فى انتظار أن تلقى لها واحدة بسمكة لتأكلها ، وإذا بها تسمع صوتا خلع قلبها رعبا ، التفتت حذرة ؛ فوجدت الثعلب أمام عيونها ،
ارتبكت ، لم تجد سوى الترعة ، فاندفعت إليها ،
وهى تصرخ طالبةً من ينقذها ، فوجدت البطات أخواتها يساندنها وكل واحدة تدفعها من جانب حتى استوت فى الماء ، وبدأت تعتاد الأمر ، بدأت أخواتها يتباعدن قليلا قليلا ، ولا تغيب عن عيونهن ، بدأت تستمتع بالعوم ، ثم قذفت منقارها لتصطاد سمكة ، سعدت بها ، ثم التقطت أخرى ،،، لم تستطع " بطوطة " منع نفسها من الضحك ، حين التفتت ، لتجد الثعلب المكار ينزع قناعه عن وجهه ، ليظهر وجه أمها الحبيبة .

هيكل ,, نصف قرن على الرحيل



وديعا كان .. كانه فرخ حمام ، حاضنا روحا غاية فى البراءة والرقة والثراء والبساطة ، ساخرا شاهرا سيفه الوحيد .. الكلمة التى تولد موقفا يحفظه الزمان .
وعلى قدر عمق رؤيته لمجتمعه ، يمتلك الدكتور محمد حسين هيكل بساطة مذهلة فى التعامل مع أبجديات الحياة المعقدة ؛ كما يمتلك ثراء روحيا مذهلا ،فقد خاصم السلطة فارتمت هى فى حضنه ، ففارقها فعادت إليه متيمة به ، ثم انتهى به الأمر بلا وزارة وبلا نيابة وظل بقيمته الأولى .. كاتب .
ولم يبايع هيكل مرة على قضايا أمته رغبة فى مصلحة شخصية أو غير ذلك ، بل كان عفيفا ، وقد وقف يوما فى الأمم المتحدة يلقى خطاب مصر ، فى 28/10/1946م فقال : " أما نحن فنريد لهذه الهيئة أن تكون حكما بين الأمم الكبرى والأمم الصغرى ، لا لمصلحة السلام فحسب ، بل لمصلحة العدالة والأخلاق الدولية "
وقد اثار الخطاب ولهجته الشجاعة ردود افعال عجيبة حتى ظن البعض انه عائد لتشكيل الوزارة ، ووصل هذا الكلام للملك فاروق ، الذى استدعاه طالبا منه تفسيرا ، فرد هيكل بحكمة وبلاغة : " إذا كانت الدولة تصدق انى اجهل الأداب السياسية فإنى لا أكون جديرا بمركزى ، يا جلالة الملك إن الساعة التى أعتز بها هى عندما أجلس إلى مكتبى وأحمل قلمى للكتابة "
صاحب " الفضيلة " :
ولد محمد حسين هيكل فى 20أغسطس عام 1888م فى قرية كفر غنام التابعة لمركز السنبلاوين دقهلية ، كان أبوه حسين أفندى سالم هيكل سيد قومه وعشيرته ،وكانت رياح البرجوازة المصرية قد بدأت فى الهبوب ، لتخلع ما تجذر فى أراضيها من اتراك حلبوها حلبا ، وتمنح بعض المصريين راحة مؤقتة من عبودية طويلة ، فبدأت طبقة الملاّك الوطنيين ، ومنها والد هيكل ، الذى دفع بابنه مبكرا لكتاّب الشيخ إبراهيم جاد ، فحفظ كتاب الله ثم انطلق إلى القاهرة ليلتحق بمدرسة الجمالية الابتدائية ، ثم التجهيزية ثم البكالوريا عام 1905م وهنا تبدا أول لمحة ضياء باهر للعلامة احمد لطفى السيد فى حياة هيكل ، حيث جاء لطفى السيد من " برقين " إلى كفر غنام ( والقريتان متقاربتان فى مركز واحد ) جاء معزيا فى جد هيكل ؛ ودار الحديث عن الدراسة التى عزم هيكل عليها فاجابه : الهندسة ، فأشار لطفى السيد عليه بدخول الحقوق ، بعدما وعده والده بالسفر إلى الخارج للحصول على الدكتوراه .
كان هيكل فى هذه الفترة يعود إلى قريته فى فترة " المسامحة " كما كان يطلق على الأجازة وقتها لكن لم يكن يشغل باله بأمور فلاحة الأرض كما ينشغل بها غيره حتى من أبناء الملاك
لكنه كان يهيم متأملا فى الريف ، وغارقا فى القراءة ، بل إنه بدأ "حرفة الصحافة " تهاجمه ، فأصدر مجلة للقرية دعاها " الفضيلة " ؛ كان يطبعها على " البالوظة " ثم يوزعها على القرية واجوارها ، وهو فى حاله هذه يضع لبنات ثقافته العامة فيعانق كتابات الإمام محمد عبده ويغوص فى مقالات أستاذه لطفى السيد ، ثم يتفتح أمامه افق جديد ، وهو يقرأ الحرية لجون ستيوارت مل ؛ و" العدل " لسبنسر ؛ و" الأبطال والثورة الفرنسية " لكارليل ؛ ثم ينتهى به المطاف بوصوله باريس طالبا للدكتوراه ؛ ويلتحق بمدرسة العلوم الاجتماعية العالية، ليحصل فيها على دراسات مختلفة، ويواظب على الاستماع لمحاضرات عديدة في الأدب الفرنسي، بعد أن أتقن الفرنسية وأصبح عسيرها ميسورًا له، هذا إلى جانب اهتمامه بزيارة المعارض، والمتاحف، والآثار. وظلَّ هيكل في باريس ثلاث سنوات حصل في نهايتها على درجة الدكتوراة في الحقوق من جامعة باريس سنة1913 م
وهناك يكتب يوميات باريس ،يدون فيها ما رأى من مشاهد أثرت فيه ، وكأن رفاعة بعث من جديد ؛ ليقتحم المجتمع الفرنسى مرة أخرى ؛ لكنه يحتفظ بكراساته فلا ينشرها ، فقد غرق فى الحنين لمصر ؛ فتجلى هذا الحنين فى درته الخالدة " زينب " فعاد إلى مصر برسالة دكتوراه عن " دْين مصر العام " وروايته " زينب " وكلاهما فى حب مصر ...
عِجلة عاشور :
ويبدأ هيكل حياته العملية بمكتب للمحاماة فى المنصورة ، ورغم ان المحاماة وقتها لم تكن لتدفعه لمواصلة دراسته حتى الدكتوراة ، ولكن طموحه الأدبى الذى لم يفارقه يجعله يذهب لصاحب دائرة من الدوائر الزراعية هو " البدراوى عاشور " ليقترح عليه ، أن يخصص جائزة كبيره باسمه فى الأدب تكون مشابهة لجائزة نوبل ،ويرد عليه " عاشور " قائلا :
"كنت اظنك يا أستاذ جئت تعرض علىّ بمشروع لأستثمر اموالى فى تربية الأغنام والمواشى "
ويعلق هيكل : " وهكذا أخفقت فى إقناعه ، وخسرت وظيفة محام لدائرة " البدراوى " فقد أبيت أن أربط مستقبلى بعجلة عاشور " …..
والثابت أن علاقة هيكل بالفكر والأدب ظلت ثابتة قائمة منذ أن كان طالبا بالحقوق وينشر مقالاته وقد عاوده الحنين وهنا يقرر هيكل طباعة " زينب " وتصدر عام 1914م ويكتب عليها بقلم " مصرى فلاح " وليس هناك فائدة من البحث عما إن كانت سنة النشر 1913م أم كما اثبت هيكل ذاته فى مقدمة بعض الطبعات أنه طبعها للمرة الأولى عام 1914م فقد نشرت مقالة فى مجلة البيان عام 1913م تتناول الرواية بالنقد مشيدة بهيكل رغم انه لم يثبت على الغلاف انها له ، وهو ما يؤكد ان المجتمع الثقافى المحدود فى هذا الوقت كان يعلم بنسبتها إليه ……
ورغم معاول كثيرة وبحوث عديدة تحاول خلع رداء الريادة عن هيكل ، فإن رواية " زينب " كانت حدثا بلا شك ، حيث قدمت مستوى لغويا جديدا على القصة المصرية ، وكانت اكثر تسامحا فى استخدام العامية ، والتعبير بشكل اكثر شعبية ودفئا من غيرها ، كما انها قدمت موضوعا ملوثا بطين الفلاحين وغموس طعامهم وروث بهائمهم ، ثم إن ما منح الرواية مكانتها وريادتها ايضا هى الرؤية التى تنبع من الرواية ، فلأول مرة تصدر رواية تعبر عن فتاة من الريف وتسافر إلى داخلها لتلاحظ مشاعرها وفكرها وتلامس احزانها وتاملاتها ، وتتعامل معها باعتبارها إنسانة كاملة ..
- يسار الأحرار :
وفى عام 1917م ينتدب " هيكل " للعمل بالجامعة ، وكان فى هذا الوقت يكتب فى " الجريدة "
وفى " الأهرام " لكنه تمرد على قيد الوظيفة واستقال عام 1922م وكانت الثورة الكبرى قد قامت ، وكان هيكل قد أقام هو الآخر فى القاهرة ، وكان قد تزوج من " عزيزة هانم رضا "
كريمة عبد الرحمن رضا باشا وكيل وزارة العدل ، وكانت حقا نعم الزوجة لأنها تربت فى بيت يعى السياسة واحوالها ومطالبها ، فكانت خير عون له ، ويذكر انه لما حصل على الباشوية رفضت مناداته بلقب الباشوية مفضلة عليه لقبه العلمى " دكتور " وقد رزقه الله تعالى بابنه البكر " ممدوح " لكن ارادته تشاء أن يحرم من ولده ، ويأخذه الحزن القاتل إلى القلم ، فيخرج كتابه " ولدى " يبث الورق لوعة فقد الابن البكر ، وللدكتور هيكل ولدان :
حسين واحمد ، وخمس بنات ( عطية الله / هدية / بهيجة / فائزة …..)
هذا عن حياته الأسرية ، أما حياته السياسية فكعادة السياسة تقلبت به ومعه كثيرا منذ التجق بحزب " الأحرار الدستوريين " وكانت مصر من وقت السماح بوجود الأحزاب 1907م قد تنامى العمل الحزبى بها ، وتنوع فكان هناك الحزب الوطنى وحزب الأمة وحزب الأحرار الدستوريين وحزب الاتحاد وحزب الشعب وحزب السعديين وحزب مصر الفتاة إلخ
ولم يكن الحزب الذى اختاره هيكل خاليا من العيوب بالعكس فقد وصفه الأستاذ الرافعى بانه جزب لم يقم على اكتاف الناس بل خرج من رحم القصر ، كما ذكر العقاد أنه " عورة " فى جسد السياسة المصرية ، ولكن هيكل كان متزنا تماما فى علاقته بحزبه خاصة وهو رئيس تحرير جريدة " السياسة " التى تعبر عن الفكر الحزبى بعمق وتدافع – كما يفترض – عن توجهاته ، بحيث من الممكن ان تقول عن " هيكل " كان يسار الحزب ، وقد رأيناه فى يوم ما
يستشار من الهلباوى فى شأن ترشيح الهلباوى لنفسه فى الجمعية التشريعية بعد دوره فى قضية "دنشواى " ويصمت هيكل ويصر الهلباوى على استشارته ، فيقول له : " إن قضية دنشواى لم تكن قضية عادية يدافع فيها الهلباوى بك عن موقفه فيها بأنه ادى واجب المحامى ، بل كانت قضية بين مصر وانجلترا ، وقد وقفت سيادتك فى صف " انجلترا " .
ولم يرشح الهلباوى نفسه .
وليس ببعيد ما ذكره الأستاذ صبرى ابو المجد فى كتابه " سنوات ما قبل الثورة " ج4
واقعة معارضة " هيكل " لرئيس حزبه ، حين كتب هيكل مقالا عنفا صريحا ، بعنوان : "
نريد ائتلافا خالصا وأساس الائتلاف الخالص الصراحة " وكان يشير إلى محاولات الوفد إسقاط الائتلاف الوزارى الذى يشارك فيه الأحرار الدستوريون ؛ وقد أحدث المقال ضجة جعلت رئيس الحزب – محمد محمود باشا – يطلب من هيكل أن ينشر له مقالا يشير فيه إلى ان رأى هيكل لا يعبر عن الحزب ، فرفض هيكل بشجاعة نادرة ، وذكره الباشا بانه صاحب شركة السياسة التى تصدر الجريدة ، فقال له هيكل : " إذا كان صاحب السياسة هو الذى يطلب النشر فانا موافق بشرط ان انشر استقالاتى مع مقال معاليكم "
فرد عليه محمد محمود باشا قائلا : " لا تنشر كلمتى ولا تستقيل " وخرج .
وتدور الأيام دورتها ويصبح محمد محمود باشا رئيسا للوزارة ، ويقرر إحالة بعض المستشارين فى الاستئناف إلى المعاش ، ولكن هيكل لا يخفى استياءه من القرار ويرفض رفضا باتا ان ينشر اى كلمة تدافع عن قرار رئيس الحزب الذى هو رئيس الوزراء .
يا هَيْكَلُ .. بحقِ إنك أهبلُ :
وها هو كرسى الوزارة يأتى الرجل بلا دعوة ولا سعى ولا اشتياق ، وكانت البداية حين عين وزير دولة بوزارة الداخلية فى وزارة محمد محمود باشا الثانية فى 31ديسمبر 1937م ، ثم يتولى وزارة المعارف بعدها فيضع اساس اللا مركزية وينشا المناطق التعليمية ويبدا الاهتمام بالمناهج ؛ وتقع الحرب الثانية وتتغير الوزارة ، وتاتى وزارة حسن صبرى ويلى فيها هيكل وزارة المعارف إلى جانب وزارة الشئون الاحتماعية ، لكنه لم يكن عاشقا للعمل الوزارى ويفضل أن يتولى قيادة مجلس النواب حتى عام 1944م كما اختير سنة 1941م نائبًا لرئيس حزب "الأحرار الدستوريين"، ثم تولى رئاسة الحزب سنة 1943م ، وظلَّ رئيسًا له حتى ألغيت الأحزاب بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م
وقد كان لهيكل شرف تمثيل مصر في التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية سنة 1945م، كما تولى تمثيلها في كثير من المحافل الدولية، فمثلها رئيسًا لوفد مصر في الأمم المتحدة أكثر من مرة سنة 1946م
ومن طرائف الأحداث أنه فى فترة توليه رئاسة مجلس النواب ، اغرى البعض الشاعر حسين شفيق المصرى بكتابة قصيدة حلمنتيشية يسخر فيها من هيكل ، فكتب يقول :
" يا صاحبى يا هيكل .. بحق إنك أهبل "
وقامت الدنيا ولم تقعد وقبض على الشاعر وسجن وجاء الأستاذ حافظ محمود متوسطا لدى هيكل للإفراج عن الشاعر ، ففوجىء ان هيكل لا يعلم اى شىء عن الواقعة ، واتصل هيكل لحظتها بالنائب العام وقال له أنه لم يطلب هذا من احد وبدا حافظ محمود فى السعى حتى اكتمل خروج الشاعر من السجن وقد لجأ إلى القول انه كتب " بحق إنك أهيل " وليس اهبل .
جبريل يبرى قلم هيكل :
ونأتى سريعا لكتابته عن الأحباب ؛ والأحباب هم الرسول وأصحابه ؛والعجيب فى حياة هيكل – كمبدع ومفكر – أن "الأساسى " فى حياة هيكل يتوارى فى التأريخ له ، بينما " الاستثنائى هو الأبقى فى حياته ، وأعنى السياسة التى ابتلعت عمره ولم تبق إلا وقتا قصيرا للأدب والفكر الذى أعطى لنا قيمة هيكل فى حياتنا المعاصرة ,,,,,,
حتى أن رثاء العقاد لهيكل فى قصيدته الصافية التى مطلعها :
لا أحسب العام فى أسوان يسعدنى يوما بلقياه فى قومى وفى سكـنى
حتى يخص " إسلامياته " بالذكر قائلا :
أحببت سيرة من يحيون منصفهم من كل عال بتشييد العلا قمن
[ قمن أى جدير ] و"حياة محمد "درة التاج فى " إسلاميات " هيكل بلا شك ، لأنه قدم فيها منهجا جديدا حين اعتبر القرآن الكريم افضل مصدر لدراسة سيرة النبى عليه السلام ، ولذا خلصت الدراسة لوجه الحق والحق فقط كما قال هو ، ومن هنا اجتذبت من جعلوه شيطانا ومن جعلوه ملاكا ، فقد قرأنا لمن قال : " لو كنت فى عهد الرسول وانت تحتج للإسراء والمعراج ، بتلك الحجج التى تمد لها من نظريات العلم ، لما كان ابو بكر هو الصديق الوحيد"
ثم يقول : " وإنه ليخيل لى وانت تكتب أن جبريل يبرى لك قلمك ويصب المداد "
وفضلا عن كتاب " حياة محمد " فقد كتب " الصديق أبو بكر " و" الفاروق عمر " كما خطط لكتاب " بين الخلافة والملك " ولم يمهله القدر لإكماله ،,,,,,,,,
حيث توفاه الله تعالى فى الثامن من ديسمبر 1956م بعدما ترك كرسى مجلس النواب ، ليجلس فوق كرسى الخلود

الأحد، 2 مارس 2008

وحين العيد يأتينا




يَقُولُ صِحَابِى الحَمْقَىَ :
أَأَنْتَ يَتِيِمُ يَا شَادِىْ ؟!
وََيَجْرِى الدَمْعُ فِى قَلْبِى
وَاكْتُبُ لَكْ
أَنَا ابْنُكْ
فَهَلْ مَا زِلْتَ تَذْكُرَنِى ؟!
َوِإنْ عُدْتَ
ِحيِنَ تَرَانِى تَعْرِفُنِى ؟
*******
أَنَا لاَ زِلْتُ أَسْتَدْعِىْ
َخيَالاَتٍ مِنَ المَاضِى
ُأحَاوِلُ جَهْدَ ذَاكِرَتِِى
أَرُدُّ مَلاَمِحَ الوَجْهِ
وَحِيِنَ كُنْتَ تَمْنَحُنِى
فَقَطْ إصْبَعْ ..
فَأُمْسِكُهَا وأَتَقَافَز
بِجِلْبَابِى
وَتُدْخِلُنِى إلَىَ المَسْجِدْ
وَحِيِنَ العِيِدُ يَأْتِيِنَا
فتأخذنى وأخواتى
فََنَمْضِى فِىْ "مَلاَهِيِنَا"
*****
أنا مشتاق ياأبتِ
وَأَنْتَ أَلَسْتَ مُشْتَاقَــاًً ؟
إِلَىَ أُمّى ...
وَطِيِبَتِهَا ...؟!
إلَىَ بَطّاتِنَا الحُلْوَةْ ؟
إِلَى أَحْلَىَ مََسَاءَاتِ
*****
كََرِهْنَا المَالَ يَاغَالِى
كَرِهْنَا المَالَ وَاللهِ
فَهّلاّ أَجَبْتَنِىْ مَاذَا
ُأجِيِبُ صِحَابِىَ الحَمْقَىَ
ِإذَاقَالُوا :
"أأنْتَ يَتِيِمُ يَاشَادِىْ ؟!!"
إبراهيم محمد حمزة
















الجمعة، 29 فبراير 2008

سلمت لكل الخراف الحزينة










الذى يتسع
لمثل هواك
وهل مثل هذاالفؤاد الحقير
: يقول :"اصطفاك "؟
وها أنا أعلن أنى متيم
متيم جدا
وأزهو بهذا الفؤاد

وهل ترقى خطوبٌ إلى الفلك ؟
ولكن لتسمح ساعةَ بالمثول
أقبل أرضا عليها سطوت
معاليك عذرا قصدت خطوت
ولو كنت تزرع أرضا بموت
فإن الحزانى لن تخذلك
وإنى لدىّ كلامٌ كثيرٌ
وإن كان لا يعلو بحضرتك صوتْ

لماذا إذن لا تُسمىَ إله ؟!
لماذا إذن لا تقتنى جنة
وتصنع جحيما
وتأتى الملوك
إليك سعيا
ألست الإله الوحيد المطاع
ألست المعز المذل المقيم
ألست رسول الخراب المشاع ؟
لماذا إذن لا يصلون لك ؟
فما أجملك .. أعدلك ...
أكملك
.......... ألا يعرفون اعتبارا
لمن بيديه يدور الفلك ؟
ألا ينظرون لهذى الدماء تسير نهورا
وتبقى دهورا
وهذا العمار يصير قبورا
بأمرك ياسيدى فامتلك
فؤادا يهيم
وقلبا يُشكّلُ من مغزلك
أتدرى ليالى القرى عندنا
أتدرى سواد الكفور
وجوع النجوع ؟
أتدرى بأيدى النساء اللواتى
يبسن من القهر
والفقر والمعترك ؟

يبسن من الصبر والانتظار
لفلذات أكبادهن الذين
رميت بهن لنارك أنت
لتهزم دوما من ينصرك
تعالج أنت صنوف الجحود
ونكران نعمائك الطاغية
فأى العالمين إذن يكبرك ؟
ألست القوى ..
البهى ... البغى ..الملك ؟!
فإ ن وردة يُتّمَتْ
وإن زهرة رُمّلَتْ
وإن قلب أم بكى
وإن شعب حتى هلك
فهذا مصير العصاة الطغاة
البغاة الذين رأوا مقتلك
سلمت لنا
سلمت لنا
سلمت لكل الخراف الجميلة
سلمت لترعى جميع الغنم
وكل النعام
....... أحس ككل الذين استداموا النعاس
ككل الذين تعاطوا الخرس
بوخز الفؤاد
ولست – لعمرك –رب العباد
فياسيدى الكئيب العبوس
أطلت المقام بواد مقدس
أطلت المكوث
" فاخلع نعليك "
" وضعها – رجاء – فوق الرؤوس !1

شعر : إبراهيم محمدحمزة




الولاد

الست أميرة



الصورة المرعبة هذه بالموبايل للمعلم فارس ومحمود ابن خالته


محمود لابس نظارة


فارس مندمج


هههههه














هل تملك الجرأة على القراءة ؟؟؟


أصاب الإمام " ابن تيمية " وهو يقول " يضيع هذا الدين بين المغالى فيه والمعرض عنه " والحق أن من الظواهر الشاذة الغريبة هذا التناقض المخيف بين ما وصلنا إليه من انحلال دافق وبين هذا التعصب السطحى الظاهرى الذى يبدأ من الرفض القلبى وينتهى بـ" من يبايعنى على الموت " .وبكل الصدق نتساءل : هل وصل ضيق الأفق بمجتمعنا إلى حد إعداد العدة للقتال والجهاد ضد رواية أو مسرحية أو قصيدة سواء كانت لمسلم أو غير مسلم ؟ أو حتى دعوات التفريق بين رجل وزوجته أو اتهامات مجانية بالعمالة والخيانة مباشرة هكذا بدون أن يطرف جفن لصاحب الاتهام …. هذا فى الوقت الذى ثقلت فيه موازين الثقافة بشكل مرهق ومخيف تزداد حالة التسطيح التى تدعو أحد الخارجين من بيت طاعة " عمر بن عبد الرحمن " إلى أن يتساءل ساخرا : " بقى الشيخ عمر بيكفرنى وأنا اللى أكفر طير الله فى السما " إلى هذا الحد صار الدين سياطا فى يد البعض ممن يحتكرون – فى عقيدتهم – الدين لصالحهم دائما تحت أى ادعا ء ؟!!!والحقيقة أنه من الظلم تقييم الجماعات الدينية كلها تقييما واحدا غير أنه من العدل أيضا أن نقرر عدم وجود جماعة واحدة قدمت مشروعا متكاملا لنهضة حقيقية أو قل رؤية مقبولة للحياة الإسلامية التى يروجون لها .الغريب والمحير أن السلف – رغم قرب الدين منهم تاريخا –لم يكونوا بهذا التزمت والتحجر والتخوف من كل كلمة تمس الإسلام ، بل إنهم مزحوا وسخروا وتجاوزوا ، وقد تقبل المجتمع الإسلامى ذلك كله بصدر غاية ف الرحابة فلم يعلق المشنقة للنواسى وهى يدعو صاحبه قائلا يا أحمد المرتجى فى كـل نائبة قم سيدى نعص جبار السماوات من هنا تتصارع النهضة العربية مع فلول التزمت والرجعية والسطحية والشيفونية التى يرتفع صوتها غوغائيا .. حتى يصل إلى درجة " من يبايعنى على الموت " وقد يؤدى قول كهذا إلى حرب أهلية يخوضونها ببراءة ثم يخرجون مبتسمين وكأن شيئا لم يكن وبراءة الأطفال فى عيونهم .متى سرقوا النهضة : يقرر سلامة موسى بوضوح فى كتابه " ما هى النهضة " أن الثقافة العربية عنيت بعلوم الإغريق دون آدابها ،فنقلها العرب وزادوا عليها وهذه العلوم هى أصل النهضة الأوربية "ورغم هذا الدور الحقيقى فى ريادة الحركة العلمية بالعالم ، فإن النهضة قد انكمشت حين ابتلع وحوش التطرف جهود الكواكبى والأفغانى ومحمد عبده وقاسم أمين والطهطاوى والعطار وغيرهم ، ولفظت لهم فكرا مشوها يظهرلنا التدين ويبطن التخلف .وجاءت الجماعات لتكرس فكرة العدوانية لدى المسلم ،فالقبطى يكرهك وينتظر لحظة انقضاضه عليك ، وعلاقتك به علاقة عدو بعدو ..ومع لعبة التجهيل الثقافى والفكرى والسياسى التى تمارسها الحكومات ببراعة قاتلة ، أنتج التعليم أنصاف جهلاء يظنون أنفسهم أنصاف متعلمين ، خاصة مع تحييد الإعلام والأسر الطلابية وتشجيع الانحلال فى مقابل تكسير عظام الفكر … كل ذلك وغيره ينتج دائما عقول ضائعة فى جلباب قصير وفكر أقصر منها .النبى تبسم : تستطيع بارتياح أن تقرر أن السلف على مدى تاريخهم الطويل كانوا أكثر تقبلا وأوسع صدرا وأرجح عقلا من نماذج التشنج الحالية ،وتستطيع تلمس أسبابا للعبوس المقيم على وجوههم إذا وضعته داخل إطار التحريم للفن والرسم والتماثيل والغناء وكل ما يبهج الإنسان ، حتى يصلوا بالناس إلى مرحلة الغم ،التى يعتبرها التراث اليهودى مرادفة للعلم ، وينقل الدكتور يوسف زيدان عن التوراة " من ازداد علما زاد غما "أما التراث الإسلامى الطبيعى فيحفل بالضحك والبساطة ، بل إن الإمام السيوطى المتوفى سنة911هفى كتابيه " الجامع الكبير والصغير " يورد أحاديث صحيحة منها : [ ضحك الله من رجلين قتل أحدهما صاحبه وكلاهما فى الجنة ][ ضحك ربنا من قنوط عباده ]وأيضا على لسان النبى : " ضحك الله الليلة وعجب من فعالكما ]وكذا .. [ ضحك رسول الله فقلت ماذا يضحكك ؟ ]غيره كثير .لكنهم لا يقرأون :فى تحقيق إحسان عباس لكتاب " طوق الحمامة " يذكر فى باب قبح المعصية قصة ذكرها ابن حزم ، لكنه ياللعجب لا يجرؤ على نقلها حرفيا -وذلك رغم ورودها كاملة فى طبعة دار الهلال بتحقيق الطاهر مكى – حيث يقص علينا قصة امرأة اسمها هند كانت خامسة خمس نسوة فى رحلة من الحج ،وكان أحد ملاحى السفينة يأتى كل يوم إلى واحدة من صويحباتها فـ " ……………………" حتى مكنته من نفسها ولم يبق غيرها ، فلما فعل فعلته سقطت الموسى عليه فارتاع وقام لينهض " …………………" قالت العجوز فقضى وطره وأستغفر الله " هذه الحكاية التى لم يجرؤ محققها _ ونحن فى هذا العصر المنحل _على نقل ألفاظ واحد من أجل الأئمة وكأنه يخشى غول التطرف وأنيابه المشرعة .بل إن الإمام النفراوى يبدأ كتابه الشهير الروض العاطر بمقدمة " خطبة الكتاب أتحدى أى كاتب مسلم أن يكتب شيئا فى جرأتها … اقرأ وتعجب .. قال الشيخ الإمام العلامة الهمام سيدي محمد النفزاوي رحمة الله ورضي عنه ): الحمد لله الذي جعل اللذة الكبرى للرجل في فروج النساء وجعلها للنساء في أيور الرجال فلا يرتاح الفرج ولا يهدا ولا يقر له قرار إلا إذا دخله الاير والاير الا بالفرج فإذا اتصل هذا بهذا وقع بينهما النكاح والنطاح وشديد القتال وقربت الشهوتان بالتقاء العانتين وأخذا الرجل في الدك والمرأة في الهز بذلك يقع الإنزال وجعل لذة لتقبيل في الفم والوجنتين والرقبة والضم إلى الصدر ومص الشفة الطرية مما يقوي الأير في الحال.فهل يحتمل واقعنا الثقافى الحالى كل هذه الجرأة ؟!!- ولم يعلقوا له المشانق : يروى الإمام "ابن الجوزى " [ 508-597هـ] فى كتابه الشهير " أخبار الحمقى والمغفلين "أشياء ترسم صورة بديعة للروح التى كان عليها المسلمون وحاشا لله أن ندعو إلى غير فضيلة نحن نتحدث عن تقبل الناتج العقلى فى المجتمعات .مع الأخذ فى الاعتبار ان الرجل كان هاديا وداعية يقول هو عن نفسه فى آخر كتاب القصاص " ما زلت أعظ الناس وأحرضهم على التوبة والتقوى ، حتى تاب على يدى أكثر من مائة ألف رجل " مدد يا زغلول النجار ويا عمرو خالد .المهم إذا شئت ادخل من باب " فى ذكر المغفلين من المتزهدين " واسمع حديث هذين الرجلين " يقول أحدهما :بلغنى أن الله عز وجل يعظم خلق أحدهما حتى يكون ضرسه مثل جبل أحد "فقال له الآخر : ليس هذا أمره " .وإلى جوارهما شيخ متأله كثير الصلاة ، فالتفت إليهما فقال : لا تنكروا هذا . ثم أتاهم بدليل من القرآن ..من قوله تعالى " فأولئك يبدل الله سنانهم خشبات " ثم يقول " فهو يبدل السن بالخشبة إلا وهو قادر على أن يجعله مثل جبل أحد " .وفى باب ذكر المغفلين من الأئمة نقرأ : مر رجل بإمام يصلى بقوم ، فقرأ " ألم غلبت الترك "فلما فرغ قلت يا هذا إنما غلبت الروم ، فقال كلهم أعداء .لا نبالى من نذكر منهم .وإذا شئت قرأت عشرات القصص والجكايا التى لو قرأها الآن غيلان التطرف لصرخوا طالبين من يبايعهم على قتل الإمام النفراوى والإمام ابن حزم وربما ابن الجوزى

الأربعاء، 27 فبراير 2008

عالم بلا إسلام


عالم بلا إسلام .. هل كان العالم سيخسر بدون محمد بن عبد الله ورسالته ؟ بصرف النظر عن اتفاقك او اختلافك ، فإن هذاالمقال يحتاج لعقلك وخيالك معا ؛ السؤال طرحه Graham Fuller بمقالته: (عالم بلا إسلام – A World Without Islam) التي اختارتها مجلة Foreign Policy لغلاف عدد ها الحالى (يناير –فبراير ). فولر، نائب مدير "مجلس الاستخبارات الوطنية" السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. المقال يطرح تساؤلا غاية فى البراءة "الأمريكية " ماذا سيكون شكل العالم بدون الإسلام ، الرجل يدعوك أن تتخيل ان النبى عليه السلام لم يبعث ، ويسألك : هل كانت العلاقة بين الشرق والغرب ستتأثر ؟ وبأستاذية ثعلبية يرى رجل المخابرات أن العالم لم يكن ليتغير ، فأطماع الغرب فى الشرق لا علاقة لها بالدين، ويورد الأدلة الكثيرة على أن مسعى الغرب للهيمنة على "الفضاء الاستراتيجي للعالم الإسلامي، وموارده الخام، بل وثقافته، والسعي لتحويله إلى "الولاء للأمريكيين"" ليس أمرا طارئا، وهو ليس بسبب الإسلام.ذلك أن الهيمنة على الشرق ظلت دأب الغرب من قبل ظهور الإسلام. فحتى لو لم يظهر الإسلام فإن الشرق الأوسط سيكون مسرحا للحروب المحلية وهدفا للأطماع الغربي . ولذلك فالحروب الصليبية – فى رأيه- مدفوعة بأسباب كثيرة لا علاقة بالإسلام ، وربما تظاهرت أوروبا بدعوى "تصدير القيم المسيحية لسكان المناطق التي غزتها" لكن الهدف الحقيقي لم يكن إلا تأسيس مناطق نفوذ استعمارية لتكون مصادر لثراء الأقطار الأوروبية ومناطق انطلاق لمزيد من التوسع.وربما تعللت بـ "محاربة الإرهاب" . وقد يظن القارىء لكتابات " فوللر "أنه حريص على إبعاد تهمة الإرهاب عن الإسلام ، لكنك ستجد ذلك وهما وأنت تقرأ فى مقدمة المقال ( وهو منشور على موقع المجلة على الإنترنت ) يقول " ويبدو ان الاسلام تكمن وراء طائفة واسعة من الاضطرابات الدولي : الهجمات الانتحاريه ، وتفجيرات السيارات ، والاحتلال العسكري ، والمقاومة الكفاح ، واعمال الشغب ، الفتاوي ، والجهاد ، حرب العصابات ، و9 / 11 نفسها. لماذا تحدث هذه الاشياء؟ قناعات لكن زائفة : لكن مثل هذه القناعات الزائفة نجده يعارضها فى كتبه ، ربما تتعجب وأنت تقرأ لـ "جراهام فوللر" في كتابه "مستقبل الاسلام السياسي" أنه لايوجد في المستقبل المنظور علي ساحة الشرق الاوسط أي منافس سياسي يمكن ان يشكل قوة يعتد بها في مواجهة الصعود الطاغي للاحزاب والجماعات المنتمية للاسلام السياسي..ويحذر فوللر الذي يعمل الان كأستاذ جامعي من الوقوع فيما يسميه "بالشراك التحليلية" عند دراسة جماعات الاسلام السياسي واعتبارها في الجوهر ظاهرة دينية..فهذه الحركات وان كانت دينية بحكم مرجعيتها واسنادها الاسلامي لكن قوتها الاساسية تقع في منطقة العمل السياسي والانشطة الاجتماعية..وهاهو يضع جماعة الاخوان المسلمين جنبا الي جنب مع تنظيم القاعدة ضمن طيف واسع وفضفاض من الحركات الاسلامية تشمل حزب العدالة الحاكم في تركيا حسب تعريفه المتعجل لتيار الاسلام السياسي بأنه "هذا التيار الذي يؤمن بأن القرآن والسنة لابد وأن يكونا أساس المجتمع الاسلامي والقاعدة الراسخة لنظام الحكم في هذا المجتمع". وهو ما ينافى عملية التجهيل التاريخى لوضعية الدين الإسلامى ،كأرسخ الأديان عند معتنقيها، وأكثر الأديان دافعية للتغيير ، مما يعنى ان المسلمين فى الوقت الحاضر وقعوا ضحية مؤسساتهم السياسية التى تلهت عن تنظيمهم وتوظيفهم سياسيا، وهو ما يدفع فوللر للتاكيد على أن الوعى عند المسلمين ،يكاد يكون وعيا فطريا ، خاصة فى نظرتهم للغرب حيث ، يضيف فوللر في كتابه:"مستقبل الاسلام السياسي" ان اغلب المسلمين لديهم شعور بالمظلومية التاريخية والوجع من الغرب وهيمنته الامبريالية لعدة قرون علي العالم الاسلامي وخاصة منطقة الشرق الاوسط فيما يري المسلمون الان أن الولايات المتحدة تشكل رأس الحرب في الهجمة الامبريالية الغربية الحالية التي جاءت تحت عنوان العولمة عازمة علي تفريغ الاسلام من مضمونه وقوته السياسية..انه الاسلام الذي يشكل القلعة الحصينة لمقاومة أجندة العولمة الامريكية.
وهو يلفت الانتباه إلى بعض الحقائق. فهو يصور كيف أن بعض المسؤولين الأمريكيين لا يجرؤون على التعبير عن آرائهم الحقيقية عن الأسباب الحقيقية لما تعاني منه منطقتنا بسبب الغطرسة الغربية ماداموا في مناصبهم الحكومية، - وكما يقول أحد المفكرين السعوديين - لكن كثيرا منهم يعبرون عنها بقوة بعد أن ينفكوا من عقدة الخوف التي تكبلهم أثناء عملهم الحكومي فهل يظل هذا التضارب سبيلا تسلكه الولايات المتحدة ومفكروها ؟ إبراهيم محمد حمزة

الثلاثاء، 26 فبراير 2008

فاطمة ... قصة قصيرة



فاطـمـة
ماذا ستفعل يا " محمد " حين سَيَطْرُقُ بابك ، فتفزع الحمامات الخمس فى دارك الفقيرة ؟
ماذا ستفعل حين تفتح بابك لتجده - هكذا - أمامك ، بقامته القصيرة القميئة ، وعينيه الخافتتين الخائفتين ، وبحاجبيه الأشيبين ؟!
جاء اليوم طالبا " فاطمة " .. ما رأيك ؟
ما رأيك ؟ لا يكفى أن تسكت .. لا بد أن يكون لديك ما تقوله ..
فاطمتك يا محمد ..
( يا ويلى .. هذا ؟ فاطمة ابنتى ؟ )
" البنات فى الدار زهر يتفتح فى مطالع الربيع ، كما البنفسج الرقيق ، والفل والياسمين ، وفاطمة نوارة الدار ، وقمرها القدسى السرمدى ، وحسها الندى ، وبسمتها ونسمتها وهمستها ، ولوعتها التى لاتغيب ، فاطمة لا يُسْبَرُ من أسرارها سر ، ولا تُكْسَر بكارتها ، تستحيل على لهفة الجسد واشتهاءات الكلاب وجحافل القردة .
ماذا ستفعل يا محمد ؟
لاتنطق الآن ، حتفك تحت لسانك ، لاتنطق ، لاتسكت ، لاتصرخ ، لاترضخ ، فكر وابحث عن رد .
قل له مثلا : ماتت ! فاطمة ماتت ! مرضت - والأمراض قدر الله - ونحن لا نملك شيئا ، قل ماتت .. بالطاعون أو بالسل أو بالخوف أو بالذل ، ماتت هكذا .. أمام عيوننا ! وقل له إن البلد كلها حزنت ، حزنت طويلا ، وقد أقمنا لها مأتما ، مأتما كبيرا ، وبكينا وتحدثنا وأنشدنا ، وانتهى الأمر !
تكلم يا محمد .. فالطالب لا يُرَدُّ ، ولا يُغْلقُ فى وجهه العابس القمىء بابُ بيتٍ قصده .
فحين سيركل بابك .. ياعجبا !
لَمْ تنبح الكلاب ، ولَمْ تهتز السيوف المعلقة فى سقف الدار ، ولَمْ يصهل فرسك كالعادة .. فقط دهس زائرك بقدمه وَرْدَكَ وفلك وياسمينك ، ووصل للدار ، فهل هيئتَ له مضجعا ؟
ولماذا لم تزرع سوى الفل والبنفسج ؟ لماذا لم تزرع النار .... ؟
لم يصدق الطالب مسألة موت فاطمة - وهو قاتلها - وهل سيتزوج مقتولة ؟!
ولكن من ذكر أمر الزواج ؟ إنه سيأكلها ولو ميتة ، ويمنى نفسه أن يسمع أغاريد الغناج الغزلة القذرة ، ودغدغة الغادة تحت ضلوعه ، وغمغمة الثغر المخنوق ، وتوق المثول إلى الغياب ، وشهقة رعشتها الشائهة الشبقة .... تلك أمانيه يا محمد .
وهو يعرف كل شىء ..
يعرف أسماء بناتك ، وأحوالهن ، وأخوالهن ، وأعمامهن ، وتاريخ حزنهن ، يعرف ألوان ملابسهن ، وألوان سراويلهن ، يعرف حتى ... عفوا .
يعرف عنك مالا تعرف أنت ، فتفكر ، لا تكذب ، تكلم .. فلن يظل هكذا على الباب واقفا .
قل له : هاجرت ، غابت ، ونحن ننتظر عودتها .. وستعود ، ستعود لا محالة ، نسيناها فى غمرة غنائنا ونشوتنا ، فغابت ولكنها ستعود .. فهل تريد غائبة ؟
فاطمة لن تغيب للأبد ، هى دفء الدار وحواديت الجدات وصور الحُجَّاجِ بجدران البيوت ، فاطمة ستعود . لكن لا تتعجل .
ليس من السهل أن يقتنع رجل بهذا القدر من المكر ، وهذا القدر من القذارة ، خدعَ ، ودفَعَ وراهن َ وتحالف ، واختنق بوقدة شمس قبائلكم ، وبات فى بهرة القمر ، وسار فَتُهْنَا فى دجى عتمته ، حتى وصلنا إلى الحافة ، فوجدناه فى باحة الدار ، يخلع طاقيته المقدسة ويأمر بالطعام والشراب فيسكر حتى يرغب ، فتأتيه بناتك حتى يبحث عنها فيهن .
لا تستسلم يا محمد ..
سيعريها أمامك ، ويخلع - عنك - كل ملابسها ! ويأكل شفتيها ، ويكون ساديا أكثر من كل ذئاب الكون وكلابه وقروده وخنازيره ، وأمامك يكشف فخذيها ، وأمامك سيسيل الدم بلا شرف ، وفاطمة محلولة الشعر ، تلطم بصخرة المرار خديها وتسجن فى كهف الذل غيظها الكظيم .. .. وستجلس على كرسيِّك تستقبل المهنئين .
قل له : ابن عمها يريدها ، تربيا سويا ، ورضعا حليب المحبة معا، كانت عصفورتى فاطمة تلتقط الحب من قلب ابن عمها ، فيفرح .
قل له : أعطيتُ كلمة .
قل له : إن الدين يمنع ، والعقيدة تأبى ، والمذاهب تختلف ..
وارْفضْ إن صَحِبَكَ إلى شيخك ، وقال إنكم بلا كلمة ، وارفض إن قبِلَ الشيخُ وبارك عقدكما الفاسد .
" فاطمة " بدون وكيل إلاك ، فلا تتنازل ، واستشهد بالطاهرة ، بالحسن والحسين وكل الصالحين ، إن خذلك الناس جميعا فخذ سكينك واذبحه كما تذبح كلبا موبوءا .. لكن لا تثِقْ كثيرا ، فلن تستطيع !
كانت الأرض أمامك وتشكو ؟ لماذا لم تأخذ حفنة من ترابها وتلقى بها فى وجهه ؟ لماذا لم تغلق الباب من الأصل ؟
ألست أنت الذى فتحت الباب ؟!
تحترق قطرات الندى فوق زهرات البنفسج ، حين يجذب فاطمة ويعريها أمامك ، لتستنجد بالعم وبالخال وبالأخ ، تشتعل غابات صدرك حين تجده لديهم جميعا ، يضاجع من يهوى ويستعذب صرخات عذابهن ..
استحلفه بكل مقدس ، لا تتحرج وقبل يده ، واركع حتى يصفعك ويصفح عنك ، الغاية نبيلة ، لا تحزن إن رفض أن يصفع قفاك ، لا تخجل إن سئم من الصفع ، انجد فاطمة وتصرف ..
تلمع فيها آخرُ ومضات الروح ، وتنطفىء العينان تحت ثقل القرد القمىء
هيا .. استحلفه بعَجْزِ الأهل ، ودموع زوجتك الثكلى ولوعتها ولهفتها ..
قدمها له إن شاء .. لا تحزن إذا حتى .. ضاجعها
افعل شيئا .. افعل شيئا
.. .. ..
أقول لك : مُتْ .

الثلاثاء، 5 فبراير 2008

الأحزاب السياسية : ولعبة الكومبارس السياسى



قدم الدكتور يحيي الجمل، استقالة رسمية من منصبه كرئيس لحزب «الجبهة الديمقراطية»، متعهدا بأن يبقي عضوا عاملا عاديا في قواعد الحزب.
وقال الجمل في خطاب استقالته ـ الذي قدمه إلي أعضاء المكتب التنفيذي للحزب، وحصلت «المصري اليوم» علي نسخة منه ـ: إنه عمل جاهدا طيلة فترة رئاسته من أجل الحفاظ علي وحدة الحزب، وترسيخ جذوره في الحياة السياسية المصرية رغم كل ما فيها من معوقات،
مشيرا إلي أنه كان صاحب الاقتراح بعدم جواز إسناد أي عمل تنفيذي في الحزب إلي من جاوز ٧٥ عاما ليضرب مثلا لكل العاملين في السياسة المصرية بأنه لا يجوز لأحد البقاء في مكانه إلي الأبد.
وأضاف: «وفاءً للوعد واحتراما للعهد، قررت اعتزال منصبي رئيسا للحزب علي أن أبقي بين قواعده عضوا عاملا عاديا».
وأوضح الجمل أنه شرح لأعضاء الهيئة العليا، الأسباب التي دفعته إلي اتخاذ القرار، وأنهم تفهموا دوافعه.
وفيما يشبه التحذير، دعا الجمل أعضاء الحزب إلي أن يعملوا علي قلب رجل واحد، وقال: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم لا قدر الله».

يختلف تقييم التجارب الحزبية العربية باختلاف وجهات النظر في الخطاب السياسي العربي المعاصر، إذ هنالك جدل حول مدى مشروعية امتلاك تلك التجارب صفة الأحزاب السياسية فعلاً. ويرى فارس أبو صعب أن معظم أدبيات ذلك الخطاب تتحكم فيها مقاربات تعمل على قياس تلك التجارب بمستويين، مستوى أول يقيس تلك التجارب وظروف نشأتها بتجارب الأحزاب السياسية في البلاد الغربية وبأهدافها وظروف نشأتها، ويصل إلى حدّ نفي الأصالة عن التجارب الحزبية العربية، اعتماداً على اختلاف شروط تأسيسها واهدافها وهيكلتها عن نموذجها الأصلي في التجربة الغربية........" والحزب – كشكل سياسى – عرفه Burdeau بأنه:" تنظيم يضم مجموعة من الأفراد تدين بنفس الرؤية السياسية وتعمل على وضع أفكارها موضع التنفيذ ، وذلك بالعمل على ضم اكبر عدد من المواطنين إلى صفوفهم ، وعلى تولى الحكم أو على الأقل التأثير على قرارات السلطة " وقد أطلق المؤرخ / صلاح عيسى تعبير " الكارثة " على غياب البرجوازية العربية عن ساحات السعى إلى الحكم ، خاصة بعد نكسة يونيه 1967م ، حينها " خرت البرجوازية راكعة أمام أعدائها التاريخيين " ويجيب عبر صفحات كتابه الضخم [340صفحة ] على سؤال : هل أدت البرجوازية العربية أدوارها المبررة لوجودها ؟,, وهذا السؤال له وجاهته التى تتصاعد رغم ظلال الماركسية التى تحوطه ، ولكن ملامح السيطرة الرأسمالية على الحكم ، لتتحد رؤوس الأموال ، مع رؤوس السلطات يشكل فى افضل حالاته خيانة للجهاد السياسى المصرى الذى تشكل عبر اجيال دفعت الكثير من اجل التغيير الديمقراطى .والمؤسف ان الحركة الحزبية العربية ، لم تصعد بأصحابها إلى السلطة أو حتى الاقتراب من السلطة بل على العكس تماما ، كانت الحربية سببا كافيا لاستبعاد كفاءات وعناصر لها قيمتها من آداء اى دور سياسى يعتمد على التعيين كحال معظم الدوار فى عالمنا العربى السعيد ...هذه الأحزاب لم تتداول سلطة ولم تؤسس قاعدة شعبية ، ولم تتلاقى مع جمهورها من الأساس وتركت الساحة لبعض الجماعات الدينية تشكل نفوس الناس بلا اى توجيه ديمقراطى جاد ، ونموذج مصر من اوضح النماذج بالنسبة لنا ، فرغم ما يقارب عشرين حزبا ، فإن حالة الثقافة السياسية المصرية لن تصل لمجرد معرفة أسماء هذه الأحزاب فضلا عن معرفة برامجها وتوجهاتها......إلخ فهل أضاعت الأحزاب جماهيرها أم اضاعت الحكومات أحزابها ؟ رغم بساطة ويسر الطرح إلا ان الإجابة الصحيحة لا يمتلكها احد جاهزة ، فلكل مبرراته الواهية التى يدارىء بها سوءته السياسية ، فالبعض من الأحزاب ، قررت أن ترتمى فى حضن الحكومة الوسيع وانتهت إلى جريدة ومقر وعدة أعضاء فقط لا غير ..- تجربة فى الفشل العام : وتجربة الأحزاب العربية – رغم عراقتها لم تحقق شيئا مما أنيط بها فخلال عدة عقود وقعت فى منطقتنا العربية أكثر من 40 محاولة انقلابية فوقية ، بعضها فشل وبعضها نجح على اساس عسكرى ، أو بتعبير " صلاح عيسى " تحولت الحكومات إلى " أوليجاركيات عسكرية " فمهمة الأحزاب العربية حتى الآن قابعة فى دروب الرقابة والمشورة والتشريع ، رغم انها ليست رقابة متكاملة ولا تشريع حر ولا مشورة منفذة ، ورغم هذا الضعف البادى ، فإن اخطر ما تعانيه الأحزاب هو " اللا شعبية " ولذلك يصف الأستاذ ضياء الدين داوود الحزب المزمع تأسيسه من الدكتور أسامة الغزالى حرب والدكتور يحيى الجمل وغيرهما بقوله :"إن حزب حرب والجمل سيكون صفراً جديداً يضاف إلي قائمة أصفار الأحزاب السياسية» فى حواره مــــــع " المصرى اليوم " والذى رد عليه الدكتور يحيى الجمل أنهم : " أن النظام السياسي القائم، وأن قانون الأحزاب الموجود لن يسمح بحزب حقيقي ولن يجيز غير «الأصفار»، وإذا كان هذا هو مقصوده فقد اتفق معه ولذلك فإن المجموعة التي تسعي إلي تكوين هذا الحزب الجديد ترفض بداية شرعية قانون الأحزاب القائم وتشكك في دستوريته وتعتبره قانون «منع» إنشاء الأحزاب السياسية، ولذلك فإن من أول مطالب هذه المجموعة إسقاط هذا القانون والسعي بكل الوسائل لإيجاد تنظيم جديد للأحزاب السياسية يسمح بقيام الأحزاب بمجرد الإخطار" ونظرة السيد ضياء الدين قاسية جدا بلا شك ، ولكنها تحمل حقيقة مساوىء قانون الأحزاب وقانون الطوارىء معا ، الذى – بتعبير ضياء الدين – " يمنع عقد مؤتمرات شعبية للجماهير ويمنع الالتحام المباشر بفئات الشعب المختلفة ، لتعارض ذلك مع أحكام قانون الطوارىء ، والتى أصابت الحياة السياسية بشلل تام ؛ فى الوقت الذى يحصل فيه الحزب الوطنى على امتيازات كاملة ، - ويضيف قائلا : أنه لا توجد لدى الحكومة اى نية صادقة لتداول السلطة أو تطبيق اى إصلاح سياسى " - قانون الأحزاب : حيث يأتى قانون الأحزاب ليقضى على البقية الباقية من الحياة السياسية الحزبية ، فالقانون 40لسنة 1977م يشترط شروطا غاية فى التعقيد وانعدام الديمقراطية ، فيشترط مثلا : ألا يعارض الحزب المبادىء التى وافق عليها الشعب فى الاستفتاء وعلى معاهدة السلام وألا يتعارض مع مبادىء ثورتى 1952م وثورة 15مايو 1971م وأن يحافظ على الوحدة الوطنية والنظام الاشتراكى إلخ إذا كانت هذه المحددات الولية لقيام حزب فلماذا يقوم إذن أساسا ؟ وإن عارضت الدولة ذاتها ما تسميه بالمكاسب الاشتراكية ، فكيف تمنع الحق نفسه عن الأحزاب ؟إن الدولة تقوم بعملية " إخصاء سياسى " فعلى ، فتنبت أحزابا للزينة بلا شوك ولا طعم ولا رائحة ، وتظل الدولة على رعايتها للحزب طالما ظل محافظا على نفسه من " دنس السياسة " فإن امتد طرفه إليها ، فلينتظر المصير إذن . ومعنى ذلك أن هناك تقصير واضح من الأحزاب المصرية التى اكتفت بدور الكومبارس السياسى وياليته كومبارس يجيد دوره .
إبراهيم محمد حمزة

الثلاثاء، 29 يناير 2008

رضــــــــــــوان الكاشف …… ساحر الســـــــينما وشاعرها

رضــــــــــــوان الكاشف …… ساحر الســـــــينما وشاعرها



"أريدكم ..نعم .أريدكم جميعا .. سترحلون معى إلى هناك وراء ألف جبل وألف نهر ونهر وبحر ..إلى بلاد يفصلها عن نجعكم شموس وأقمار لا تعد ولاتحصى أوطان لا ترونها فى شواشى نخلاتكم العاليات ……….
وأنتن يا من تعتلين أسطح الدور ، يا ملح الأرض ..يا صانعات الخير والشر والسكون والقلاقل ستلبسن الحرير بعد أن كنتن تتشممن خيوطه من الحكايات المتوارثة .. فلتزغردقلوبكن ……

** عـلـى جثتـى :
المقطع السابق ليس قصيدة شعرية بديعة من شعرنا الحديث ، إنما هى مقطع منحوار فى بداية فيلم " عرق البلح " معجزة رضوان الكاشف السينمائية ، والتى تمت بمعجزة أكبر حين وجد من يقدر على إنتاجه سينمائيا –رغم ما به من إبداع وشفافية وشاعرية – بل تجمعت عليه ثلاث جهات إنتاجية ، هربت جهة وصمدت اثنتان ، أما الجهات فكانت التليفزيون المصرى وشركةمصر العالمية ومجموعة أوربية ، والأخيرة هى التى هربت مما جعل ماريان خورى – المنتجة – تتحمل عبء إنتاجه بل وتنفق بسخاء إلى الفيلم الذى أعطاها بتعبيرها مكسبا فنيا بلا حدود " .
وقبلها كان أحد أصدقاء رضوان قد نبهه إلى ضرورة تغيير مشاهده ، فرد رضوان بوضوح وتحد : " على جثتى ".
**فى حضن البدايات :
رضوان الكاشف صعيدى ، رغم أنه مولود بحى شعبى قاهرى فى 6أغسطس 1952م ، لكنه كان يقضى الصيف كله فى قريته " كوم اشقاو " بسوهاج حتى عهد الشباب الأول ، ثم استقر تماما فى حى منيل الروضة بالقاهرة ، وحصل على ليسانس آداب قسم فلسفة ،بعدما قدم عدة أبحاث ودراسات فى الفلسفة الصوفية عند " ابن عربى " و" ابن الفارض " والفارابى …وقد أفاده هذا التكوين الثقافى الجاد المتماسك فى إمداده ببعد روحى فى أعماله ، وفى تكوين رؤية خاصة به ، تشكلت من زاد لا ينضب من الأفكار التى ظلت تتصارع فى رأسه وتتناطح ، حتى قرر أن يتجه بإرادته الحرة إلى التعبير عن رأيه الخاص فقبض عليه فى ما سمى بـ "انتفاضة الحرامية " كما أطلق عليها السادات واعتقل وحكم عليه بالفعل حتى هرب ، ثم قبض عليه عام 1981م وأفرج عنه بعد قليل … وكان حتى هذا الحين قد أخرج كتابين هامين أولهما عن " عبد الله النديم وثانيهما هو " قضية تجديد الفكر عند زكى نجيب محمود "…
ووسط هذا الزحام والزخم الحياتى والفكرى كان التحول إلى دراسة السينما …. مقدمات لا تؤدى مطلقا إلى نتائجها المنتظرة ،غير أن الطالب المتفوق رضوان الكاشف قد كشف عن موهبته فى معهد السينما ، وحصل على البكالوريوس سنة 1984م وكان أول دفعته وبدأت المسيرة بفيلم " الجنوبية " .
** الجنوبية .. قصيدة سينمائية :
" الجنوبية " فيلم التخرج الذى تُـوّج به رضوان رائدا مبكرا لدفعته ،والفيلم 16مم روائى قصير ملون، أما قيمة الفيلم فتكمن فى اللغة السينمائية الساحرة التى تعامل بها رضوان ، غير عابىءباضطرارات وتنازلات لسوق ، فقد تعامل مع أدواته الإبداعية بحرية تامة ،بداية من السيناريو _ والسيناريو كما يرى مصطفى محرم _ أصعب مرحلة فى أى عمل سينمائى ،بل بتعبير محرم " إن مرحلة الشقاء عهى مرحلة إبداع السيناريو نفسه "… ثم بعد ذلك التصوير والآداءوكافة العوامل المساعدة ، فقد أفلت " الكاشف من غولين قاتلين : الرقابة والسوق .
هذه العوامل جعلت من "الجنوبية ” – الذى لم نسعد برؤيته ولا نملك إلا دعوة المسئولين عن السينما فى مصر إلى إنقاذه من التفتت ومعالجته فنيا ، جعلت منه تحفة فنية راقية بشهادة أصدقاء رضوان أنه " أكثر أفلامه تعبيرا عن رؤيته الفنية للسينما " وهو ما جعل وزارة الثقافة تمنحه جائزة العمل الأول عام 1988م .
وبعد عامين من هذه الجائزة يخرج لنا رضوان فيلما تسجيليا عمبق المغزى هو " الحياة اليومية لبائع متجول " ومدته 27دقيقة .
ليه يا بنفسج :
فى بداية استعداد رضوان لكتابة " ليه يا بنفسج " بالاشتراك مع سامى السيوى ، كان يضع فى مكتبه سيناريو فيلمه البديع " عرق البلح " لكن المنتجين أشادوا بعبقريته واعتذروا عن إنتاجه ، فقرر العملفى " ليه يا بنفسج "معتمدا فى البداية على رواية باهيا للكاتب البرازيلى " جورج آمادو " حيث كان الكاشف مذهولا من تيار الواقعية السحرية فى أدب أمريكا اللاتينية
لكنه بعد فترة اكتشف أن الأدب المصرى فى الستينات قد عبر عن المهمشين بطريقة من يعبر عن الداخل ، فشعر بمدى قربهم من البقات التى لا يعبر عنها أحد ولا يهتم بها أحد مطلقا ، فلا تعليم ولا تربية ولا رعاية ولا عمل …..
ولذلك أخرج الكاشف فيلما قريبا من الطبقات الفقيرةوهوذاته يقول : لو اقتربنا من هؤلاء لوجدنامدى إنسانية هذه الطبقات الفقيرة "
وقدخرج الفيلم والجوائزتلاحقه ، جائزة لجنة الحكيم بمهرجان القاهرة الدولى 1992م جائزة أحسن فيلم بمهرجان باريس ، جائزةأحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن سيناريو بمهرجان المركزالكاثوليكى ، ورغم هذه النجاحات يطل على ولائه لعشقه للسينما التسجيلية ،فيخرج لنا فيلما تسجيليا طويلا 95دقيقة ، بعنوان "الورشة " ويمضى وقت طويل ، حتى يخرج لنا صدمة فنية رائعة اسمها " عرق البلح " .
حتــى لو اشتغل فلاح :
"فى مقدمة السيناريو المطبوع لفيلم " عرق البلح "الذى طبعته وزارة الثقافة ، آفاق السينما
يتحدثالفنان خالد جويلى عن دعابته لرضوان حين استمع لسيناريو " عرق البلح " قائلا له : "هذا السيناريو مهما كنت تحبه لن تجد له منتجا أبدا ولو وجدته ستكون محظوظا لو احتفظ بـ75% من الأصل دون تشويه " .
فيرد رضوان ردا موجزا : " على جثتى "
وأجمل ما فى سيناريو " عرق البلح " أنه لا يقدم رأيا ولا حلولا بقدر ما يقدم أسئلة حيرى يشارك بها المتلقى حيرته ، من خلال قضية الهجرة التى ولدت شعورا لدى جيلكامل بأن الوطن قدأبدل ،وبات يعادى ذاكرته ويخوض معركة هائلة ومدمرة معا "
حيث صور الفيلم قدوم الغرباءوقهرهم لرجال أحد النجوع ،وإجبارهم على الرحيل معهم للعمل خارج الوطن ، ويستجيب الرجال للقهر المادىولمعنوى ويرحلون جميعاسوى شابيرفض كلية مساعيهم، ومن خلال هذا الصغير " أحمد "الذى قام بدوره محمد نجاتى، تعيش الواحة وتستمر الحياة فيها برعاية الجد الصامت " حمدى أحمد " والجدة "زيد الخير " ورغم محاولات النساء جره لعالمهن الغامض الساحر الحسى ، فإن حب سلمى " شريهان " لأحمد تمنعه من السقوط
وتبأ رسائل الأهل تصل لتفيض ذلا وانكسارا ويعود بعضهم ليجد آثار أحمد فى بيته فى بناء فرن أو بياض حائط أو حكاية لطفل ، هنا تبدأ الألسنة تخرج من عقالها : " واد بالغ وسط قبيلة من النسوان .. إعقل إنت " ويقرر الجميع " حكاية ولازم تخلص " .


** محــاولات للفهم :
وهذا الفيلم الذى لم يصمد فى دور العرض المصرية أكثر من أسبوع ، عرض تجاريا فى دول أوربا ، بل ظل ستة أشهر كاملة فى دور العرض بباريس ، ثم دخل مهرجان القاهرة حاملا ذهبيتين ، من مهرجانين بفرنسا والمغرب ، مما جعل ناقدا كبيرا بقيمة الدكتور عبد المنعم تليمة يقول بأن الفيلم يشكل سينما شابة جديدة تبشر بإدخال مصر حقا إلى السينما العالمية " .
وحينما عرض الفيلم فى مهرجان القاهرة اضطر المنظمون إلى تكثيف الأمن للحد من زحام المشاهدين ……
ثم يعود الكاشف منتجا ومؤلفا ومخرجا فى " نظرية البهجة " الســـاحر ليقدم فيلماذات مستويات فنية وفكرية وفلسفية يعود به لجمهور " ليه يا بنفسج " مقدما المتعة والفكر مضفرين فى سلسلة من الجمال الفنى العذب ..
ورغم عمل رضوان مساعد مخرج فى أكثر من عشرين فيلمامع داوود عبد السيد وشاهين والميهى ؛ ورغم أعماله فى السينما التسجيلية ؛فقد ظل هاويا ، يصنع سينما ترضيه هو ويردد دائما : لن أقوم بأشياء لا أحبها ، حتى لو اضطرنى ذلك إلى الذهاب للصعيد والمكوث بين الأقارب لزراعة الأرض "
………………..
يا ترى هل كانت صدفة أن يولد رضوان الكاشف فى عام الثورة ويموت فى ذكرى النكسة ؟

إبراهيم محمد حمزة





عم فؤاد .. عم فؤاد

احتفالا بعم فؤاد وهو على مشارف السبعين

فؤاد حجازى : ما زالت الكتابة لم تشف لى غليلا بعد هذا العمر
والحرب هي أفظع اختراع ابتكره البشر لتسوية نزاعاتهم

أعد الحوار : إبراهيم محمد حمزة

إذا ألقتك سيارة ما فى مدينة المنصورة الجميلة ، وأخذتك قدماك إلى حى الشيخ حسنين ، فمررت ببايعات الكرشة والفشة والطحال والكوارع ، ثم هجمت رائحة البخور والعطارة من المحال الشهيرة فى الحى العتيق ، ثم انحرف بك الطريق إلى شارع ضيق تتنافس به ثلاث ورش فى معركة الضجيج ، ستكون أمام عمارة الفردوس ،، هيا اصعد للدور الخامس واضغط الجرس ، سيفتح الباب وتجد أمامك عم فؤاد حجازى .. ليس من الضرورى أن يكون يعرفك ليرحب بك ، ستدخل ويغيب لحظة يقدم لك فيها صينية عليها الشاى والبقسماط أو غيره من المعجنات ، وينساب الكلام بحرا هادرا ، ثم تحمل " كومة " من الكتب ، ويودعك للباب رجل - دوما - صاحب فضل .
احتفالا به وهو يستقبل السبعين من عمره المديد سألنا عم فؤاد وأجاب .. لنسمع إجاباته فقط فهى عطر حقيقى .

أشعر بالرضا :
أحيانا أشعر بالسعادة ولكن إن شئت الدقة ليس بسبب هذه الكتابات ، ولكن بسبب أننى رغم كل هذه المعوقات من سجن وفقر استطعت أن أؤلف ، وأطبع وأوزع ، بل استطعت أن أطبع وأوزع لغيرى أيضا وأعتقد أن مهمة توزيع الكتب يدا بيد لو عرضت على " سيزيف " لينعتق من الصخرة لرفض .
دعنى أقول أنى أشعر بالرضا من ناحية آداء الرسالة ، كتبت ما أريد ؛ لم أشعر بقلمى ذل أو ذُل قاصدا ، إنما من الناحية المعيشية لم تحقق لى الكتابة شيئا من الارتياح المادى مطلقا بل ظلت ثقلا وحملا نحمله على عواتقنا لنطبع عددا قليلا من النسخ التى تذوب أيادينا خجلا وتعبا لنوزعها يدويا ومجانا ….. ههههههه
*************
قيمة التجربة الشخصية :
- نعم التجربة الشخصية بلا شك اصدق فى التعبير ولذلك دوما اكتب عما أعرفه .. عن بيئتنا ، فحياتى لا تنفصل عن كتاباتى و ليس هناك ما أخجل منه.. أنا من مواليد المنصورة العام 1938، نشأت في حي شعبي، اسمه «كفر الغجر»، والدي كان طباخا، في ذلك المكان، حيث تطلعت حولي، رأيت هذه الحياة الشعبية، بما فيها من فقر مدقع وتضامن لدفع الخطر وغشم السلطة الجائرة، وفيه يتواجد لصوص وتجار مخدرات، وصدقني لو قلت لك، إنه علي الرغم من أنهم خارجون علي القانون، إلا أنهم - فيما بينهم - يتحلون بالنخوة والشهامة، ويدافعون عن الضعيف ، ولا يسمحون لأحد بإهانة أي فرد من حيهم...وربما كان أكثر ما خشيت على ضياعه هو ما كتبته
أتذكر أنه حين وقعت في الأسر الإسرائيلي عام 1967، كانت عندي مخطوطتي «شارع الخلا» و«نافذة علي بحر طناح»، وأدركت وقتها أنني لو مت فسوف يضيع تعب سنوات في القراءة والكتابة هباء دون أن يحس بما أكتبه أحد، لذلك حين عدت من الأسر في أواخر العام 1968، أسست سلسلة كتاب «أدب الجماهير»، وشرعت في نشر أعمالي... وبالنسبة لسؤالك، فمن التأكيد، أن أتعرض لنشأتي، في تلك الأحياء الشعبية، فكما قلت لك، ليس عندي ما أخفيه أو أخجل منه.
********
الدولة مهتمة بحرب اكتوبر بشكل دعائى ، وللأسف لم يظهر للحدث صدى فى الأدب العربى حتى الآن ، أعتقد أنها حرب رائعة ورائدة بصرف النظر عن اختلاف الرأى حول ما انتهت إليه " سياسيا " …
- بالتأكيد، فالحرب تؤثر علي الإنسان العادي، فما بالك بالأديب، والحرب هي أفظع اختراع ابتكره البشر لتسوية نزاعاتهم، ونحن كأصحاب حق في أرض فلسطين، ومبادئ تقر بكونها عربية، فكيف لا يثير هذا حساسيتي كأديب... فمثلا، لو تصفحت أعمالي الروائية، سوف تجد أن رواية : «الأسري يقيمون المتاريس» تدور حول مقاومة المصريين الشجاعة في الأسر الاسرائيلي، ورواية : «المحاصرون» عن حرب الاستنزاف البطولية التي خاضها جنودنا الفلاحون ضد أعتي الأسلحة الأمريكية الكامنة في أيادي الاسرائيليين.
********
- خطيئة الغيطانى :
- الأصل في استلهام التراث الاقتراب من وجدان المتلقي وإلغاء المسافة بين المبدع والمتلقي … ولكن ماذا حدث؟... استلهم البعض لغة صوفية، فهل هذا يقرب المسافة؟ بالطبع لا، البعض استلهم جوا تاريخيا، فهل هذا يقرب المسافة أيضا؟... أري أن هذه الكتابات تخلق غربة من نوع جديد، غربة في اللغة، غربة في الشخصيات، غربة في التناول... في حين أن المطلوب من عملية استلهام التراث إزالة الغربة بين القارئ والكاتب، إنها نفس «الإشكالية» التي وقع الغيطاني فيها، فضلا عن كونه قد سجن نفسه في قوالب، لا يستطيع الخروج منها... ولذا عليه ، أي الغيطاني، ومن سار علي دربه، أن يحلوا تلك الإشكالية.

******
- محفوظ والحرب :
لم تأخذ حرب الاستنزاف حقها في الأعلام المصري ، ولولاها لما كان انتصار أكتوبر.
أذكر في حوار لنجيب محفوظ مع النقاش استهتر بحرب الاستنزاف وكان يجب على رجاء النقاش أن يلفت نظره للخطأ الذي وقع فيه نجيب ، فهذه الحرب هي التي هيئت المقاتل المصري لحرب أشرس هي حرب أكتوبر كما قلنا .
أهمية الحرب الاستنزاف هي أنها غيرت تفكيرنا فقد كان جنودنا لا يحاربون إلا من نقاط ثابته ، ومع هجمات الطيران ، وقصف المدفعية العنيف تعلموا المناورة بالحركة فرجحت كفة الجندي المصري.
كتيبة من كتائب المدفعية كان معها سلاح قديم من بقايا الحرب العالمية الثانية ، هو مدفع من طراز " جن " وقد ارتبطت الكتيبة بالسلاح ارتباطا قويا رغم أن كفاءته وكمية نيرانه أقل ، ولكنهم صمدوا أمام هجوم الاسرائيليين وحققوا انتصارابالثبات في مواقعهم دون انسحاب ، ولما جاءت كتيبة أخرى بمدافع من طراز جديد ، لتشغل مكانهم وتم تزويدهم هم ايضا بمدافع حديثة ، بكى افراد الطواقم فقد نشأت علاقة حميمة بين المقاتل والسلاح .
هذا ما صورته في " المحاصرون " وفيه بحث عن الانساني وسط صخب الحرب.
********
- تخلف النقد :
- في الحقيقة، النقد العربي متخلف عن مواكبة الإبداع العربي الجديد، وهذا لا ينطبق بطبيعة الحال علي مصر فقط ، فالكبار متوقفون عند مرحلة معينة لا يستطيعون تجاوزها، وهو نوع كسول، بلا شك، لا يريد أن يري أبعد مما قرأه في شبابه للرجل، أو ربما لم يسمع عن أدباء آخرين .


- أشعر بالفرح :
- حين الجلوس عند شاطىء البحر ، أى سكينة تغمر الإنسان وهو يتطلع نحو الأفق اللا نهائى ؟ يلتحم بمياه البحر كما أشعر بالسعادة لأبسط الأشياء ، لمجرد أن اضع يدى تحت صنبور وأعب عبا من كفى أعود كما كنت طفلا ، أو أن أسير حافى القدمين فى حديقة ما أو استلقى أرضا تحت شجرة …… صدقنى لحظات أتمنى لولا تنقضى ,,,,,,,,



باختصــــــــــار :

ولد القاص فؤاد حجازي في مدينة المنصورة سنة 1938 ودخل كلية الحقوق لكنه فصل منها عام 1959 بسبب نشاطه السياسي وقتئذ لقى عديد من تجارب الاسر منها في سجن الواحات ن سجن مصر ، سجن القناطر ، سجن القلعة وكان آخرهم سجن عتليت في اسرائيل عقب نكسة 67 الذي قضى فيه 8 أشهر ، وعن تجربته داخل سجن اسرائيل كتب روايته الشهيرة (الأسرى يقيمون المتاريس) التي صدرت عام 1976 وترجمت الى الروسية والانجليزية ، وتم دراساتها في رسالتين للدكتوراة أحداهما في جامعة استكهولم 1993 والآخرى في معهد الدراسات العربية والإسلامية بالفيوم عام 1999 ، ولعل تجاربه في الأسر اثرت على ابداعة الأدبي ، لفؤاد حجازي أكثر من 30 كتابا مابين الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية وقصص الأطفال والنقد الأدبي والمسرح ، كما أسس سلسلة أدب الجماهير عام 1968 ومازالت حتى اليوم تساهم في نشر الانتاج الأدبي للمبدعين الجدد ، حصل فؤاد حجازي على جائزة اتحاد الكتاب للابداع المتميز لعام 2005 .