الثلاثاء، 2 سبتمبر 2008

رمضان والشعراء

كلما ازداد المرء غوصا فى كتب التراث ، كلما أدرك سماحتهم ، وسعة أفقهم ، وقدرتهم على الاستمتاع بطيبات ما أحل الله لنا ، كذلك جرأتهم على ما قدسه غيرهم ، وهى جرأة غير محمودة على الدوام ، لكنه إخراج لما فى الباطن ، غير مكترثين بما يجرى ، وتناول الشعراء لشهر رمضان المعظم نموذج لهذا التنوع العجيب الثرى فى تراثنا العربى .
- الصوم فى القبر :
هذا هو ما رآه شبيل بن ورقاء ، والذى يقول عنه ابن قتيبة فى " الشعر والشعراء " أنه أدرك الإسلام ، وأسلم إسلام سوء ، وكان لا يصوم شهر رمضان، فقالت له بنته، ألا تصوم؟ فقال
:تَأْمُرُنى بالصَّوْمِ لا دَرَّ دَرُّهاوفى القَبْرِ صَوْمٌ لا أَباكِ طَوِيلُ .
وبلا شك ستستمتع بمحاورات طويلة حول النية ، وحول رمضان كاسم علم ، وهل يجوز أن نقول رمضان بلا شهر ، وستجد خلافا طريفا بلا شك بين اللغويين ، وسنجدهم يسترشدون برؤبة ابن العجاج الذى قال فى أرجوزته الشهيرة :
أتى في رمضان الماضي جاريةٌ في درعها الفضفاض
وياتى البغدادى فى " خزانة الأدب " ليذكر ما قاله ابن هشام اللخمي في شرح البيت السابق مستشهدا بجواز ورود كلمة رمضان بدون شهر وورد عن الكسائي، قال: كان الرؤاسي يكره أن يجمع رمضان، ويقول: بلغني أنه اسمٌ من أسماء الله تعالى.
ويبدو اهتمام الشعراء بمديح رمضان بالغا ، لكن العجيب أن ما اشتهر من ذكر شهر رمضان كان مزاح رمضان وأحيانا ذمه ، وأحيانا اللعب على التحلل من قيوده الشرعية ، وقد أكثر الشعراء من العشق فى هذا الشهر ، وحين كان يجابه من المحبوبة بذكر رمضان كان يبحث عن تبرير فنى شرعى فكاهى للميل عن خشية الحبيبة من الحرام ، وكأن الحرام فى رمضان لا فى غيره ،
وفى كتاب " قرى الضيف " لابن أبى الدنيا (عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس ) الصادر عن أضواء السلف بالرياض عام 1997م يروى المؤلف عن الصاحب :
راسلت من أهواه أطلب زورة فأجابني أو لست في رمضان
فأجبته والقلب يخفق صبوة أتصوم عن بر وعن إحسان
صم إن أردت تحرجا وتعففا عن أن تكد الصب بالهجران
أولا فزرني والظلام مجلل واحسبه يوما مر في شعبان .
ويبدو ظرف الشاعر فى تخريجه الشرعى ، حيث العشق واللقاء يراه نوعا من " البر والإحسان " ،
ولذلك فالصوم لدى شاعرنا هو صوم عن إرهاق المحبوب وإعناته ، وهو مفهوم لطيف حقا . الحرب على رمضان : أول من أعلنها – برأى أستاذنا الدكتور محمد رجب البيومى – هو الشاعر هو هذا الأعرابي الفدم الذي يروي ابن قتيبة في عيون الأخيار قصته فيقول:" قدم أعرابي على ابن عم له بالحضر، فأدركه شهر رمضان، فقيل له: يا أبا عمرو، لقد أتاك شهر رمضان! قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام! قال: أبِالليل أم بالنهار؟ قالوا: بل بالنهار؛ قال: أفيرضون بدلاً من الشهر؟ قالوا: لا؛ قال: فإن لم أصمْ؟ قالوا: تُضرب وتُحبس... فصام أياماً فلم يصبر، فارتحل عنهم إلى غيرهم وجعل ينشد: يقول
بنو عمي وقد زرتُ مصرَهم تهيّأ أبا عمرو لشهرِ صيامِ
فقلتُ لهم هاتوا جرابي ومزودي سلامٌ عيكم فاذهبوا بسلامِ
فبادرْتُ أرضاً ليس فيها مسيطرٌ عليّ ولا مناعُ أكلِ طعامِ"
غغير أنى لاحظت عدم تحديد ابن قتيبة زمنا لهذاالحدث ،إنما أورده فىحديثه عن آداب الطعام ، ذاكرا قبله وبعده طرائف الصائمين ،كهذا الذىرد على زوجته التى عزلته فى الصوم فقال لها :
أتأمرني بالصّوم لا درّ درّها وفي القبر صومٌ يا أميم طويل
وهوذات البيت الذى ذكره ابن قتيبةأيضا منسوبا لشبيل بن ورقاء فى "الشعر والشعراء " ، وأظن أن الفرزدق- المولود سنة 14هجرية - أيضا سباق فى ذكر رمضان ، وجاء فى "ديوان المعانى " لأبى هلال العسكرى استملاح المؤلف لمعنى أبيات الفرزدق التى يقول فيها : إذا ما مضى عشرونَ يوماً تحركت أراجيفُ بالشهرِ الذي أنا صائمهوطارتْ رقاعٌ بالمواعيدِ بيننا لكيْ يلتقي مظلومُ قوم وظالمهْويعلق قائلا "ومعاني هذه الأبيات كلها مبتكرة لم يسبق إليها الفرزدق." ص429-
أخبار الأكلة :
وقد ظلت ثورة البعض من الشعراء على رمضان ، وبدأوا يصفونه فى جرأة بالثقل ، والطول ، وتمنى بعضهم لو صار رمضان كله ليلا ، بلا نهار ، حتى لا يمتنعوا عما يشتهونه ، وإلى جانب ذلك فاضت أشعار الشعراء بالترحيب والتقديس والتبريكات بقدوم الشهر ، ومديح الممدوحين بتشبيههم به كرما وفضلا ، غير أن الطبيعة البشرية تتوقف عند الخارج عن الأطر دوما ، فينتظرون هذا الخروج ، وكأنه يمثل شىء شعروا به ولو شعورا عابرا ، ويبدو أن الجوع والخمر والنساء – بهذا الرتيب – أسباب ضيق الشعراء بالصوم ، خاصة وقد رأينا عجبا فى عشق بعض مشاهير العرب للطعام ، وفى " نهاية الأرب " يذكر النويرى طرفا من مشاهير الأكلة حيث ، يذكر أن معاوية بن أبي سفيان أتى بعجل مشوي، فأكل معه دستا من الخبز السميد، وأربع فراني، وجدياً حاراً، وجدياً باردا، سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلاء الرطب، فأتى عليه. ومنهم الحجاج بن يوسف، قال سالم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج مع ولده، وأنا غلام، فقالوا جاء الأمير، فدخل الحجاج وأمر بتنور، فنصب، وأمر رجلا يخبز خبز الماء ودعا بسمك، فأكل حتى أتى على ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الماء.ومنهم سليمان بن عبد الملك، روي أنه شوى له أربعة وثمانون خروفا، فمد يده إلى كل واحد منها فأكل شحم أليته ونصف بطنه، مع أربعة وثمانين رغيفا، ثم أذن للناس، وقدم الطعام، فأكل معهم أكل من لم يذق شيئا. ولذلك استقبل البعض من الشعراء شهر رمضان بالفرح ، لما يمثله لهم من " قطائف وكنافة وغيره ، ويذكرالعماد الأصبهانى فى " خريدة القصر وجريدة العصر" أبيات لابن اسيبويه الكاتب، وكان حاضراً عند القاضي الفاضل: وقال فى القطائف المقلوة: أَهلاً بشهرٍ غدا فيه لنا خَلَفٌأكلُ القطائف عن شربِ ابنةِ العنبمن كل ملفوفةٍ بيضٍ إلى أُخَرٍحُمْرٍ من القَلْي تَشْفِي جِنَّة السَّغَبوافى الصيامُ فوافتنا قطائفُهُ كما تَسَنَّمتِ الكُثْبانُ من كَثَبِولا أظنك صادفت جرأة فى البوح بالمنكرات ، مثل ما تقرأه فى ديوان المعانى " لأبى هلال " فى ليلة الشك ، وكيف استقبل الشاعر المجهول رمضان : أقول لصاحبيَّ وقد بدا لي هلالُ الفطرِ من تحتِ الغمامسنسكرُ سكرةً شنعاءَ جهراً وننعرُ في قفا شهر الصيام
ومن يطالع كتاب " حلية الكميت " لشمس الدين النواجى والذى طبعته سلسلة الذخائر رقم 27، سيجد كثيرا من دلائل عشق العرب للخمر بصورة لا تكاد تصدق . وربما لم يستقبل شاعر شهرنا الكريم أسوأ من ابن الرومى ، ومن طالع ديوانه سيجد ذما وذما وذما فى رمضان ، ورغم ذلك يجرؤ على تهنئة الخلفاء والسادة بقدومه ، ولذا وجدنا "الراغب الأصفهانى " فى "محاضرات الأدباء " يذكر ابن الرومى بعد ذكره لهذه الواقعة لمجوسى " أسلم مجوسي فأطل عليه شهر رمضان فعجز عن الصوم فقيل له: كيف ترى في الإسلام؟قال:وجدنا دينكم سهلاً علينا شرائعه سوى شهر الصيامويقول ابن الرومي: شهر الصيام وإن عظمت حرمتهشهر ثقيل ٌ بطيء السير والحركهيا صدق من قال: أيام مباركة إن كان يكنى عن اسم الطول بالبركه!ولا يذكر شعر رمضان وننسى ما نسب أبى العتاهية ، وأحيانا للمحاربى ، حدث بعض الرواة قال: دخل المؤمل بن أميل المحاربي مسجد الكوفة في يوم جمعة، وقد نمى إلى الناس خبر وفاة المهدي، وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك، فقال رافعاً صوته:(مات الخليفة أيها الثقلان) قال فقال جماعة من الأدباء: هذا أشعر الناس; نعى الخليفة إلى الجن والإنس في نصف بيت، وأمده الناس أبصارهم وأسماعهم متوقعين لما يتم به البيت فقال: (فكأنني أفطرت في رمضان)قال: فضحك الناس به، وصار شهرة.وجاء فى العمدة فى محاسن الشعر ونقده وفى حديث ابن رشيق عن غريب الرثاء وعن اللفظ الردىء مع جودة المعنى . وأخيرا رحم الله شاعرنا الأمير شوقى بك ، وقد زرع رايات فرحه حين ذهب رمضان ، وعاد إلى معشوقته :رمضان ولى هاتها يا ساقى مشتاقة تسعى إلى مشتاق .

ليست هناك تعليقات: