السبت، 30 أغسطس 2025

هل كان "نزار " شعوبيا جاهلا منافقا ، يكتب الشعر بالأجر ؟




حين يتحول النقد إلى شتيمة ، وحين يردح الأدباء



حين أصدر " نزار قبانى " ديوانه (قصائد مغضوب عليها ) سلقته ألسنة حداد لنقاد كبار ، وجاءه الناقد جهاد فاضل طالبا منه الإجابة عن سؤال واحد عن معنى الشعر ووظيفته ، كان الديوان قد آلمه ، وهو يشعر بكم الاستهزاء والكراهية والحقد والاستهانة والشعوبية لدى نزار ، فسب الشعوب والأوطان والحكام والتاريخ والحاضر والمستقبل أيضا مثلا يقول : (تاريخك يا مولاتى تاريخ مزور ) ( وطن ممسوخ كالصرصار ) ( وطن سادى وفاشى وشحاذ ونفطى وأممى ورجعى وجنسى ) .. ولهذا دار حوار فى القاهرة بين الناقد والشاعر ، استغرق أقل من الساعة قليلا ، عاد بعدها جهاد فاضل إلى بيروت ليجهز الحوار لمجلة الحوادث ، ولكن رسالة تصله من نزار يرسلها له من سويسرا حيث يعمل وقتها دبلوماسيا ، يطلب منه نزار نشر حوار جديد تماما من تأليف ورد وإخراج ومونتاج نزار نفسه ، لكن الناقد تماسك ونشر الحوار الحقيقى لا المزور ، وقامت الدنيا ، وغضب نزار ، وأرسل لرئيس تحرير الحوادث يشكو الناقد متهما إياه بأنه غير اسمه من جزويف إلى جهاد ، راكبا موجة القومية وقال نزار أن محاوره قد احتكر الصفحات لنفسه ليتكلم وحده ويردح وحده بتعبير نزار ، ولم يكن كلام نزار نطقيا ، فرد عليه "فاضل واصفا شاعرنا أنه ذو ثقافة سياسية ضحلة ، وتجربة وطنية أكثر ضحالة ، وأنه حبير برائحة الأجساد لا رائحة الأوطان وأنه يبوس أيدى السلاطين وغيرهم فى الوقت المناسب ثم اتهمه بأنه يكتب للغير بأجر .. وكانت أهم معركة ادبية سجلها جهاد فاضل فى كتاب صدر وقتها عن دار الشروق تحت عنوان " فتافيت شاعر " .



بعد أن يحكى لنا العم يحيى حقى ملخصا لرواية " زينب " للدكتور هيكل ، تلك الحضانة البواسة ، ثم ينبه تنبيها نبيلا مثله قائلا " ما أرخصها من براعة لمن يمتشق قلمه لتفنيد هذه الحكاية " هو تعبير يتخوف أن يصير النقد سبابا وجدالا و"ردحا " لكن هذا التحول النقدى له تاريخ طويل ومعقد ...
تصور.. ابن المعتز يرسل رسالة إلى أستاذه أبى العباس ثعلب ، يتشوقه قائلا :
ما وجد صاد بالحبال موثق بماء مزيد بارد مصفق
فيرد ثعلب على رسالة المحبة هذه قائلا له :
أخذت – أطال الله بقاءك – أول هذه الأبيات مما أمليته عليك من قول جميل ( وما صاديات حمن يوما وليلة / على الماء يخشين العصى حوانى ) وآخره مثل قول رؤبة (إني وإن لم ترني فإنني/ أراك بالغيب وإن لم ترني)
********
- ومن أقدم الإشارات على التطرف النقدى ما شهدناه فى سوق عكاظ ، حيث يأتى الشعراء للنابغة ينشدونه شعرهم ، حتى يستمع للخنساء تنشد : ( وإن صخرا لتأتم الهادة به / كأنه جبل فى رأسه نار ) فيقول لها " والله لولا الأعشى أنشدنى آنفا ؛ لقلت أنك أشعر الإنس والجن " ويصاب حسان بن ثابت بالحسرة فيقول له " والله لأنا أشعر منك ومن أبيك " فيرد النابغة بثقة الناقد المتزن الحليم " يابن أخى .. إنك لا تحسن إحسان الأعشى "
وفى العصور التالية ، خاصة العصر العباسى ، ثارت معارك كبرى ، وخرجت كتب تتهم بعض الشعراء بالسرقة ، وتوازن بين شاعر وغيره ، حتى جاء العصر الحديث ، فانتقل الصراع من الأشخاص إلى المذاهب ، بل إن الصراع الموجه إلى الأشخاص كان فى أساسه موجها للمذاهب أيضا ، كان محاولة جادة لزعزعة صخرة الذوق الأدبى بتعير د/ صلاح فضل ، ثم جاء العصر الذهبى للردح الأدبى النقدى ، خلال المرحلة الرومانسية العربية ، مثلما ترسخت شذرات قديمة لدى العباسيين فى صراع الطبع والتكلف ، حتى وصل الحال ببعضهم ليصف أبا تمام بأنه "أفسد الشعر " ومنهم من رآه إماما متبوعا ، مثلما رأى الأصمعى فى زهير والحطيئة عبيدا للشعر ، ورأى أن الشعر قد (استعبدهم ، واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم فى باب التكلف ، وأصحاب الصنعة ومن يلتمس قهر الكلام واغتصاب الألفاظ ) – البيان والتبيين ج2 ص13
مثلما رأينا أبا هلال العسكرى – على سبيل المثال – فى كتاب الصناعتين – يرى أن الشعر ( أكثره بنى على الكذب ، والاستحالة ، من الصفات الممتنعة ، والنعوت الخارجة عن العادات والألفاظ الكاذبة ، وقذف المحصنات وشهادة الزور ،وقول البهتان )
المعركة الكبرى :

لم يكن وعى وثقافة عبد الرحمن شكرى نتيجة قراءة فقط ، إنما كان نتيجة تفكير وتأمل ، واستنطاق لتراث شعرى عالمى ، فقد عاش حياة بسيطة أقرب للفقر ، أوصلته لباب مدرسة المعلمين ، مثلما وصل عبد القادر المازنى لنفس المدرسة ، رغم أنه يصف نفسه بأنه " نشأ فى بيت من بيوت العز " كما يروى عن نفسه ، ولكن حالة الأب قد ارتبكت مما أبعده عن الحقوق ، ورضى بحاله ، وكان المازنى والعقاد وشكرى يفخرون بأصلهم المصرى – كما يذكر أستاذنا عبد المحسن طه بدر – ذاكرا أن العقاد يرد سطحية الشعراء الذين سبقوهم إلى أن أصولهم غير مصرية . ( رغم أن شكرى من أصول مغربية ، والمازنى من أصول حجازية ، ولكن العقاد كان يشير لشوقى من طرف خفى ، وكانت آيات التناقض تظهر فى حياة هؤلاء الشبان ، يقول المازنى (إن الظلمة قد استولت على عوالمنا السياسية والخلقية والعقلية ، وصارت حياتنا مضطربة بصيحات الشك والظمأ إلى المعرفة "
غير أن شكرى كان يلتمس الحديث عن تناقضٍ آخر بين الفزع الرهيب من عقاب الله ، وبين امتلاء نفسه بالشهوات ،، حتى " بلغ بى الفزع من عقاب الله أنى كنت اتخيل عقارب وثعابين فوق الفراش ، وأحيانا أتخيل فراشى كله حجرات من نار " ثم يوضح فى نفس الكتاب – الاعترافات – كيف أن الشهوات حوائج أخرى قلما يعوق عنها الفزع من عواقبها " .
ومن هنا بدأ الشبان الثلاثة فى محاولة الاستيلاء على أرض جديدة تجعلهم محط النظر فى هذا المجتمع القاسى ، الذى دمرته حرب مخيفة ثم ثورة عاصفة عام 1919م ، ثم ثورة أخرى هى التى خلفها كتاب الديوان فى الأدب بجزئيه ، حيث ظل العقاد والمازنى فى الكتاب "يناطحان صخرة الذوق العام " – والتعبير لدكتور صلاح فضل – وللأسف كان وقود المعركة هو زميلهما عبد الرحمن شكرى .
نقد أم ردح :
بدأت بوادر الديوان تنذر بمعركة قادرة على خلخلة بنيان الذوق الأدبى الراسخ ، ولم تكن ردود الأفعال أقل حدة من المقالات ذاتها ، فالعقاد يتهم الرافعى بأنه سطا على نقده لنشيد "شوقى " ، فما ترك شيئا مما قاله العقاد إلا وأعاد صياغته وكأنه ببغاء ، ثم يصفه بأنه " من خفافيش الأدب " ، ثم يقول فى وصلة نهائية ( لا هوادة بعد اليوم ، السوط فى اليد ، وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت )
وكان الرافعى أشد قسوة وجرأة ، فيصفه فى كتابه " على السفود " بأنه لص يسرق ما يكتبه من الجرائد من مترجماته ، ثم يصف العقاد صراحة بالجلف الحقود المغرور ، يجيد فيما يجرى به اللؤم والحقد .. يقول مثلا (لو بصق ابن الرومى لغرق العقاد فى بصقته)
ثم يعلق على قول العقاد : (إنى إلى الرعى من عينيك مفتقر / يا ضوء قلبى فإن القلب مدجان )
يعلق الرافعى قائلا : ألا تشعر أنك بعد الأبيات الأولى سقطت من ألف متر إلى بيت العقاد ، فلا تتمه حتى تقول : " آه آه الإسعاف .. الإسعاف وهل من يغلط ثمانى غلطات فى بيت واحد مع سخافته التى هى الغلطة التاسعة ، يمكن أن يسمى شاعرا أو أديبا إلا فى رأى الحمقى ؟! .
وإن كان هذا شأن الرجلين ، فقد كان شكرى عف اللسان ، وهو يستمع للمازنى يكيل له الاتهامات الباطلة ، واصفا إياه بـ " صنم الأعاجيب " و" المرزوء فى عقله " إلخ
أما أساس هذه الموجة العاتية المتطاولة التى أغرقت شكرى ، فأردتته قتيل الفؤاد ، فكان مقاله الذى ذكر فيه شيئا من سرقات المازنى ، قائلا مثلا : ( ولقد لفتنى أديب إلى قصيدة المازنى التى عنوانها "الشاعر المحتضر " واتضح أنها مأخوذة من قصيدة " أدونى " للشاعر الإنجليزى " شيللى " كما لفتنى صديق آخر لقصيدة المازنى التى عنوانها " قبر الشعر " وهى منقولة عن " هينى " الشاعر الألمانى ولفتنى آخر إلى قصيدة .... واستمر شكرى فى سرد سرقاته منهيا مقاله بقوله " ولا أظن أحدا يجهل مدحى المازنى وإيثارى إياه وإهدائى الجزء الثالث من ديوانى إليه ، ولكن هذا لا يمنع من إظهار ما أظهرت ومعاتبته فى عمله ، لأن الشاعر مأخوذ إلى الأبد بكل ما صنع فى ماضيه " – مقدمة الجزء الخامس من ديوانه صـ373
أما المازنى ، فقد حاول " تفصيل " ثوب من الموضوعية للأمر ، وبحث عما يدين شكرى فلم يجد ، فقاد هجمته دون إشارة لما قاله صاحبه حول سرقاته .
وكان المازنى قد كتب فى صحيفة " عكاظ " عام 1913م مجموعة مقالات جمعت فى كتاب بعنوان "شعر حافظ " عام 1915م اتخذ المقارنة بين شكرى وحافظ أساسا لهدم حافظ ومذهبه ، معليا من شأن شكرى ، وختم مقاله بقوله " وبعد .. فإن حافظا إذا قيس إلى شكرى لكالبركة الآجنة إلى جانب البحر العميق ... شكرى أسمح خاطرا ، وأخصب ذهنا ، وأوسع خيالا " .
وبقدرة قادر تحول شكرى إلى "صنم الأعاجيب " وصار " خمول شكرى وفشله واضحا فى كل ما عالجه " هذا " المرزوء فى عقله " .. " متكلف لا مطبوع " "جاهل بوظيفة الشعر " " الأبكم المسكين " فماذا بعد ذلك ؟
- البلطجة النقدية :
منذ " حصاد الهشيم " والمازنى مولع بالسخرية من كل شىء ، فيشبه المتنبى بـ " نابليون " الذى يصفه بانه ( من أقل الناس كرما ، ومن اخونهم عهدا ، وأغدرهم ضميرا وأفجرهم يمينا ، لا يأنف أن يتدلى إلى سرقة الحق ، أو يتسفل إلى الكذب ) وكلاهما ( وضيع النشأة ) .
لكنه يتجاوز ذلك كله فى " الديوان " بل يسبق لأمر لم يكتشفه أحد قبله ، وهو سب الكاتب وسب من يقرأ له أيضا ، فبعد ان سخر من المنفلوطى ونفسه وحياته وأدبه ، متحدثا عن "الحلاوة والأنوثة والنعومة " فى كتاباته ، سائلا : ماذا فى أدب المنفلوطى يستحق أن يكون ادبا ؟ ثم يسخر من نهاات أبطاله التى يتلقفهم الموت قائلا ( فبالله ما لهذا الحانوتى الندابة وللادب ؟) ثم يهجم علينا بمفاجأته الكبرى قائلا ( ولكن لكل كاتب قراءا على شاكلته ، منسوجين على منواله ، وأن اخوف ما نخاف أن على هذه الأمة أن ترى هذه الجراثيم صالحا فى نفوسهم " .
ــ العقاد على السفود :
حربان كبيران خاضهما العقاد كناقد أدبى ، صمت احد المحاربين ونطق الآخر ، الحرب الأولى مع شوقى ، والثانية مع "الرافعى " ويبدو أن صمت شوقى والمنفلوطى وشكرى ، قد طمأن الرجلين ، رغم ما فى نقدهما من ( تطرف وإجحاف وتحامل ) كما يقول دكتور ماهر شفيق فى تقديمه لنخة كتاب الديوان بمكتبة الأسرة ، حيث أشار العقاد لأصحاب شوقى وقرائه بأنهم السفهاء الذين يتابعون "مِــدَحه " فى "الخرق المنتنة " يقصد الصحف ، وأنه ليس للحشرات الآدمية التى تصدرها ، غير فضلات الجبناء وذوى المآرب والحزازات " أما فى صراعه مع الرافعى ، يصفه بـ " الببغاء والسارق " مهددا إياه قائلا ( إيه يا خفافيش الأدب ، أغثيتم نفوسنا ، أغثى الله نفوسكم الضئيلة ، لا هوادة بعد اليوم السوط فى اليد ، وجلودكم لمثل هذا السوط خلقت ، وسنفرغ لكم أيها الثقلان )
وقد كان الرافعى أحد لسانا ، وأقدر مجابهة ، فبعد ان يصفه فى كتابه " على السفود " – وهو تجميع لمقالات نشرت فى مجلة العصور عام 1930م – يصفه باللؤم والخسة والسرقة ، منتقدا قوله ( ولهذا الظلام خير من النور / إذا كنت لا ترى وجه حر ) فيقول ( هنا تظهر سخافة العقاد بأجلى مظاهرها ، فكلامه لئيم ، وأسلوبه لئيم ، وسرقاته لئيمة .. ألا يغور هذا المتشاعر فى الأرض فى الأرض وهو يعرف أنه يسرق قول القائل ( أتمنى على الزمان محالا / أن ترى مقلتاى طلعة حر ) ويكمل ( ثم يزعم المتشاعر أنه يعارض ابن الرومى ، ولعمرى لو بصق ابن الرومى لغرق العقاد فى بصقته ) .
وهكذا رأينا سجالا نقديا يتعدى النقد إلى الردح والسب والشتم ، لكن بقى أمران : أولهما : هذا التحريك الفعلى لسكون بحيرة النقد ، والدعوة الجادة للقراءة حتى يتاح للمتصارعين البحث عن حجج .
أما الأمر الثانى : ان هذا التقاذف النقدى ، رغم ما به من تجاوز ، ظل حبيس الورق لم يتعداه إلى المحاكم وساحاتها ... وهو امر لو تعلمون عظيم .
إبراهيم محمد حمزة

السبت، 3 يناير 2009

طبيعة النبوة بين العقل الغائب والنص الخادع واتباع المستشرقين


النبوة فى كتابين
طبيعة النبوة بين العقل الغائب والنص الخادع واتباع المستشرقين


تصور المسلم لطبيعة النبوة ، يأتى من مصدرين : القرآن والسنة ، وتفسيراتهما ، ولمقام النبى عليه السلام تقديس عند كل مسلم ، لا يستوى وبعض ما يتناثر من كتابات وآراء تسلب النبى عصمته ، وتتحدث عن أميته ، وتصم أبويه بالكفر وتبشرهم بالنار ، ومن هنا تأتى قيمة كتاب " النبوة فى نهج البلاغة " للدكتور أحمد راسم النفيس ؛ ليقدم صورة عادلة نقية عن النبى عليه السلام ، رافضا الصورة التى راجت من خلال وبعض كتب الحديث السيرة ، التى يراها النفيس تشارك فى الإساءة للنبى عليه السلام مثلما يفعل الغرب .
- ضفاف أخرى :
وعلى الجانب الآخر ، بين أيدينا كتاب لمؤلف مصرى يعمل أستاذا بجامعة إكستر البريطانية ، هو الدكتور محمد عبد الحى شعبان " والذى أصدر كتابه "islamic history" عن جامعة كامبردج ، و قام بترجمة الجزء الأول منه الدكتور إبراهيم عوض ، ثم علق عليه وأفسد أباطيله بأستاذية معهودة فيه ، فى هذه الدراسة يرى الدكتور شعبان أن ( ظهور هذا الدين [ يعنى الإسلام ] مرجعه إلى نشوء نظام قائم على الرق ، داخل مجتمع بدائى فى طريقه للانهيار ، وينقل عن "مونتجمرى وات " من كتابه "محمد النبى ورجل الدولة " أن الانهيار الأخلاقى صاحبه انحطاط فى الحياة الدينية لدى المكيين ، ورغم ذلك فإن الله – والتعبير لشعبان – كان أحد الألهة المكية ، برغم أنه قبل عصر محمد كانت قد تقدمته آلهة أخرى "
ثم يبدأ الدكتور شعبان فى صياغة نظرية تجارية فى النبوة ، رابطا بين تجارة قريش وبين دعوة الدين الجديد ؛ حيث بدأت قريش من البداية فى تدعيم "الكومونولث المكى " – بتعبيره – بوجود أفراد من قبائل أخرى كقبيلة تميم يشتركون فى الميليشيا القبائلية ، ومن هنا برزت مكة كميدان للثروة والقوة ، ثم يأتى دور محمد كأحد المشاركين النشطين فى هذه التجارة ، ثم يلقى "شعبان " بمفاجأته الأولى : ( ومن وجهة نظر المؤرخ – يعنى نفسه – فإن ثورة محمد وأسلوبه فى الحكم ، ينبغى ان يفسرا ويفهما فى إطار البيئة التى ينتمى إليها ،وما دام الكلام عن مكة ، فهذا معناه التجارة ، إن التعاون بين الأغنياء والفقراء المبدأ الأساسى فى دعوة محمد على مدار حياته ، فإذا تم هذا التعاون داخل مكة ، فسوف يكون من السهل تعميمه على أفراد الكومنولث أجمعين "
وحين جاء فتح مكة وجاءته القبائل ، فرض عليها ضريبة "الزكاة " ولم تكن هذه الضريبة إلا إحياء لتلك الضريبة القديمة ،التى كانت تدفعها القبائل إذا أرادوا المشاركة فى تجارة مكة ... "
ولم يكن محمدا فى أى شىء من أعماله مبدعا ، وهو نفسه كثيرا ما أكد هذه المسألة ؛ وحتى دينه لم يكن بالشىء الجديد ، وكان كل ما يدعو إليه هو إعادة التطبيق السليم لمبادىء الحقيقة الخالدة ، .. إن محمدا لم ينشىء دولة ، ولا هو وحد العرب ، لقد تسلم نظاما موجودا بالفعل ثم حوّره ... .
- عيوب المنهج .. عيوب الفكر :
الحقيقة أن ما سبق حاولت الالتزام فيه بسياق ولغة كاتبه الدكتور محمد شعبان قدر المستطاع ، والحق أن القارىء العادى سيلحظ كما عجيبا من الغياب للمنهج ، فاعتماده على عدد قليل جدا من المراجع الأجنبية فى موضوع لا علاقة له بالمراجع الأجنبية ، خاصة فى اعتماده على كتب بيلاييف وكستر وسرجنت ووات وكلهم – كما أشار الدكتور عوض شيوعيون ومستشرقون . مستبعدا كتب الطبرى والواقدى والمقريزى وابن الأثير وغيرهم ، وتبدو رائحة المستشرقين لا يطغى على نتنها سوى رائحة النفط التى تبدو جلية فى إهدائه كتابه لوزير النفط السعودى . ويجعل المؤلف الهدف من الهجرة للحبشة تجاريا ، بينما تجمع كتب السيرة على حجة قريش لدى النجاشى أنهم "غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم "
الكلام إذن عن وحدانية وعبادة وعدل ، فمن أين استقى المؤلف أفكاره ؟
إن فصلية شهيرة كفصلية الكونجرس مثلا تتحدث فى عددها الصادر فى عام 1998م مجلد 2 بقلم الدكتور روبرت قائلا : (وكما بداية ايمان مجتمع صغير من المؤمنين في الجزيرة العربية في القرن السابع ، انتشر الاسلام وبسرعة ، أصبحت واحدة من الديانات الكبرى في العالم. وThe core of this faith is the belief that Muhammad (c. 570-632), a respected businessman in Mecca, a commercial and religious center in western Arabia, received revelations from God that have been preserved in the Qur'an. جوهر هذا الايمان هو الايمان بأن محمد ا قد تلقى ما كشف عنه من الله ، وقلب هذه الرسالة هو تأكيد ان "لا إله إلا الله ، ومحمد هو رسول الله". The term islam comes from the Arabic word-root slm, which has a general reference to peace and submission.
أليس من العار أن يفهم غير المسلم طبيعة الدين أكثر من مسلم مصرى شرقى ؟
فإن كان الغلام "عداس " قد قبّل رأس النيى ويديه وقدميه ، فإن هناك من يفضل تقبيل شىء آخر ، هى أحذية أعداء الإسلام .

- محمد النبى الكامل :
هذه هى الصورة النبيلة الصادقة التى قدمها الدكتور أحمد راسم النفيس ، مدافعا عن مقام النبوة أعظم دفاع ، وبشكل عقلانى موثق ، حيث يعترض المؤلف على هؤلاء الذين اعتبروا النبى شخصا عاديا ، ليس له قيمة غير مجال التبليغ ، ولذا فقد وقعت أخطاء منه - يتصورها القوم – كمسألة اختيار موقع يوم بدر ، وموضوع تأبير النخل ، وافتداء الأسرى ... وكأن النبى جاء ليعلمنا الخطأ وليس الصواب ، كما يشير النفيس رافضا فكر من رفع العصمة عن النبى عليه السلام .
فقد اعتمد الدكتور طه حسين مسألة خطأ النبى فى قبول الفداء وقبلها ، وأيضا الشيخ محمد أبو زهرة الذى نفى العصمة عن النبى بنفس تلك الواقعة المزعومة ، فى كتابه عن الإمام الصادق ، ( وللحق فإن محمد أبو زهرة فى كتابه الهام " تاريخ المذاهب الإسلامية " قد بيّن اختلاف أوامر الشرع عن أمور الحياة ، فمن يتصور محمدا صانعا زارعا فهو لا يفرق بين رسول جاء بتشريع من السماء وصانع ذى خبرة فنية أو تاجر عالم بالأسواق " صـ229
كما يبين أبو زهرة أن حديث النبى " إنكم تختصمون إلىّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر ، فمن قطعت له من أخيه ، فإنما اقتطع له قطعة من النار " يشير أبو زهرة إلى أن هذا قضاء ، وليس تشريعا ، وفرق بين القضاء والتشريع ، وينتهى إلى قوله "وخلاصة القول فى هذا المقام أن الخطأ لا يتطرق إلى اجتهاد النبى فيما يقرر من أحكام ، اما شئون الدنيا من صناعات وزراعات ، فليس الخطأ بمستحيل عليه فيها " صـ230

إن الدكتور يصف التصورات المطروحة عن النبوات بأنها تعبر عن حالة من الفوضى والاضطراب التى تسود الساحة الدينية ، ويرى أن أفضل ما يستخلص من كلامه معنى النبوة هو الإمام على بن أبى طالب ، - كرم الله وجهه – فى " نهج البلاغة " رغم أن الكثيرين دافعوا عن عصمة النبى ، مستشهدين بالآيات القرآنية كقول الله تعالى: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). وقوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول…) سورة النساء59.
وأيضا : (إنما وليكم الله ورسوله…) المائدة 55.
وقوله : (وإن تطيعوه تهتدوا…) النور 54.
وقوله : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم…) سورة النساء آية 65.
وهى آيات مؤكدة على عصمة النبى بشهادة الخالق سبحانه وتعالى .
- كارثة البخارى :
بهذا التعبير رأى النفيس ما ذكره البخارى فى باب "التعبير " وأول ما بدىء الرسول وهو ضم جبريل له ، وأمره له : اقرأ ورد النبى ما أنا بقارىء ، ثم سعيه عليه السلام لزوجه خديجة الطاهرة ، قائلا : زملونى زملونى ، ثم ذهابها لورقة بن نوفل الذى كان " امرأ تنصر وكان يكتب الكتاب العربى ، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله له الوقت أن يكتب " ثم " لم ينشب ورقة أن مات ، وفتر الوحى فترة ، حتى حزن النبى حتى غدا مرارا كى يتردى من رؤوس شواهق الجبال" هذه هى الرواية المشهورة التى يوردها النفيس ، ثم يورد بعدها رواية ابن جريرالطبرى فى "تاريخ الرسل والملوك " هذه الرواية التى يراها المؤلف مهينة للنبى ، ويرى الربط بين ورقة وكتابته للإنجيل بالعربية ثم ظهور القرآن ، ثم موت ورقة وفتور الوحى كل ذلك به مساس بشرف النبوة وعصمة النبى ومقامه الكريم .
إن بشرية الرسول ليست كبشريتنا ، فهناك بشر هم والبهائم سواء وصفهم القرآن الكريم مرة بأنهم ( كمثل الكلب ) ومرة ( كمثل الحمار يحمل أسفارا )ومرة ثالثة بالعموم ( أولئك كالأنعام ) فالتشابه الخارجى بيننا وبين النبى فى الإطار الخارجى ، وهو ما وجدت الإمام ابن عربى يعبر عنه فى رسالته " الإنسان الكامل " قائلا
( فأما محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو الإنسان الكامل الذى ساد العالم فى الكمال فلا أكمل منه ) أ.هـ
النبوة فى نهج البلاغة :


فى فصل بديع بهذا العنوان يرى النفيس أن النبوة شجرة لها جذورها ولها ساق ولها فروع ولها أوراق ولها ثمار ، وهؤلاء الفروع هم أئمة أهل البيت بيت النبوة ، وهو ما وصفه الإمام على بقوله " اختار من شجرة الأنبياء ومشكاة الضياء وذؤابة العلياء ، وسرة البطحاء ومصابيح الظلمة وينابيع الحكمة "
ثم يبدأ المؤلف فى ذكر بعض مناقب الشجرة المحمدية ، لأن من تحمل الرسالة له مقام يختلف عمن أعرض عنها من كافة الكائنات ، فمن قال أن محمدا وآله لا شىء يميزهم عن بقية الناس وبأنهم ملزمون بالدخول فيما دخل الناس فيه وليس العكس بأى حال ، فهم أصحاب الرؤية الأموية السفيانية . ثم يعرج بنا المؤلف فى رحلة ممتعة مع سيرة النبى وأبيه وجده ، وما كانوا يتمتعون به من شرف وعزة ، وكانت لهم الرفادة والسقاية .
ويستمر غوص النفيس فى دراسته حتى يصل لوظيفة الأنبياء التى هى الحجة ، وتنقسم الحجة إلى قسم يتعلق بالبلاغ الأتم الأكمل ، وقسم يتعلق بالتطبيق الأكمل للدين وتقديم الأسوة والنموذج ، ثم يرى أن الأنبياء والمرسلين لا يمكن لهم أن يؤدوا كل تلك المهام بمفردهم ، خاصة مع النبى محمد لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، ولذا يرى النفيس أن مسيرة الإنسان نحو الكمال تقتضى وجود الحجة ، والحجة أو الإمام يقوم باستلام كافة مهام النبوة عدا الوحى والتبليغ ، لذا فوظيفة الحجة هى التبليغ عن رسول الله وليس عن الله تعالى ورد الناس للفطرة السليمة وتذكيرهم بنعم ربهم ، ودفعهم للتحضر الاجتماعى ، وهى مهمة لا تتوقف أبدا .
ولنتوقف أخيرا مع قضية أمية النبى ، ورغم أن الكتاب يحتوى الكثير مما يستحق العرض والنقاش ، فإن قضية أمية النبى تكاد تكون حاكمة ، لأنها كثيرا ما تكون مدخلا للتشكيك ، والإمام على يصف علم النبى قائلا : ( الله تعالى قد قرن ملكا من الملائكة يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه ...." ثم يعلق الفخر الرازى قائلا " وإن كان هذا علم الولى ، فما بالك بعلم النبى ؟! ثم يشرح النفيس أصل هذه الفرية – كما يراها – بأن مرجعها معاوية رأس الفتنة وسبب البلاء ، لأنه لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن واجتماع الناس إليه خطب فقال : " إن رسول الله قال لى : ستلى الخلافة من بعدى .... فلما كان من الغد كتب كتابا ثم جمع الناس فقرأ عليهم "هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية صاحب وحى رسول الله ، الذى بعث محمدا نبيا كان لا يقرأ ولا يكتب ، فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا فكان الوحى ينزل على محمد وأنا أكتبه "
وقليل من الناس من ينتبه إلى أن معاوية قد أسلم يوم فتح مكة ، أى فى ختام مرحلة النبوة ، وأن القرآن إنما جمع من صدور الرجال لا من مدونات معاوية " .
وهكذا سيكون على القارىء لكتب النفيس ، الاستعداد التام للتفكير ، وهو أمر صار نادرا فى هذا الزمان .
إبراهيم محمد حمزة















































محمد .. المثل الكامل


محمد الداعية :
"والنبوة أثقال ومؤونة "
ابن هشام .. السيرة النبوية
أعود إليك صديقى الأعز .. وأنت تتساءل عن دليل على صدق النبوة
وأنت تتساءل عن قيمة هذه الرسالة ومعجزتها ؟
وأنت تتساءل عن ذلك وغيره وما أعلمك إلا باحث عن الحق ….
وهو سؤال قديم قدم النبوات ذاتها ..
أما أعلام نبوته ، فبوسعى أن أحيلك إلى عشرات بل مئات من الكتب المفصلة التى تحدثك بإسهاب عن دلائل نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ..وقد أحصى العلماء أكثر من ألف من معالم نبوته (1)
ولكن معجزة القرآن الكريم تظل أثبت المعجزات وأقيمها بلا شك ، وهى ليست قاصرة على معجزته البلاغية التى تحدى بها الله تعالى الإنس والجن كما هو ثابت ، وليست قاصرة على الإخبار بالغيب وما شابه ، إنما هى تمتد كمعجزة لقدرة القرآن الكريم على إقامة حياة إنسانية سليمة للبشر فى كل مكان وزمان بلا تعارض بين آياته المحكمات …
ولكن المعجزة اللغوية سبقت غيرها فى التأثير على متلقيها فى البادية العربية الموحشة ، ولا يجب أن نغفل عن هذه المعجزة ، ونحن نستمع إلى الإمام الجرجانى يردد سؤالا على ألسنة الناس :
" فما الذى تجدد بالقرآن من عظيم المزية ، وباهر الفضل والعجيب من الرصف ، حتى أعجز الخلق قاطبة ، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القوى والقُدَر وقيد الخواطر والفكر ، حتى خرست الشقاشق [ لهاة البعير ] وعدم نطق الناطق " (2)
وقد تتبع الإمام الجرجانى كافة ملامح البلاغة القرآنية ، وإعجازه غيره عن الإتيان بمثله ومن هنا فدلائل النبوة أمر ثابت ثبوتا قطعيا وتبشير الكتب السابقة له ثابت أيضا ، ونحن فى حل من ذكر عشرات النبوءات التى بشرت بالنبى ، غير أن نسخة التوراة المطبوعة فى لندن 1884م نجد فيها سفر حبقوق نصا فى منتهى الصراحة ، يقول : " لقد أضاءت السماء من بهاء محمد ، وامتلأت الأرض من حمده ، ذكرك فى الأنهار واحتدام صوتك فى البحار ، يا محمد أدن ، لقد رأتك الجبال فارتاعت " (3)
وفى تاريخ الإسلام يروى الإمام الذهبى :
" سأل ابن عباس كعبا : كيف تجدون رسول الله فى التوراة ؟
قال : نجده محمد بن عبد الله يولد بمكة ويهاجر إلى طابة ،ويكون ملكه بالشام ،وليس بغماش ولا شحاب ولا شخاب فى الأسواق ولا يكافىء السيئة بالسيئة " (4)
وها نحن نستظل بنور النبوة الطاهر ، وها هو الوحى يزوره للمرة الأولى …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر من أهم الكتب القديمة التى تناولت قضية دلائل النبوة :
دلائل / دلائل النبوة لابن كثير / دلائل النبوة للأصبهانى / دلائل النبوة للبيهقى / تاريخ الإسلام للإمام الذهبى / وغيرها مثل البداية والنهاية / والفصول ومن الكتب الحديثة : أقضية الرسول للدكتور محمد ضياء الدين الأعظمى – صادر عن دارالكتاب المصرى وأيضا دلائل النبوة للإمام عبد الحليم محمود .
(2) عبد القاهر الجرجانى – دلائل الإعجاز – تحقيق الشيخ محمود شاكر – الهيئة المصرية العامة للكتاب – عام 2000م ص9
(3) هذا الموضوع مطروح باستفاضة فى موقع
http://www.arabic.islamicweb.com/




وهذا ليس إقرارا بخلو هذه الكتب من التحريف وإنما نوع من مخاطبة الآخربدلائله ، وهو ما لم يتحرج منه مشايخنا الأول ، رضوان الله عليهم ، بل إن القرآن الكريم نفسه أشار لذلك فى أكثر من موضع . كقوله تعالى :
": {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [سورة الأعراف الآية: 157 ].
نجد فى هذا الموقع مثلا : وأشارت بعض نصوص التوراة إلى مكان هجرة الرسول - عليه السلام - , ففي سفر أشعيا الإصحاح الثاني والأربعون : ( لترفع البرية ومدنها صوتها , الديار التي سكنها قيدار , لتترنم سكان سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا ليعطوا الرب مجدا ... ـ )
(4) الذهبى – تاريخ الإسلام – ج1 صـ 31
وربما تعجبنا وأشفقنا على الحبيب والوحى يزوره مرة ويتركه أكثر من عامين – قبل أن يرى -بتعبيرمالك بن نبى – زائره الغريب " (1)
وقد أتم الوحى مراحل فصلها وبينها وذكرها الإمام ابن قيم فى " زاد المعاد " مجملها الرؤية الصادقة وما كان يلقيه الله تعالى فى روعه وتمثل الملك له رجلا ، وإتيانه الوحى فى صورة صلصلة الجرس ، وإتيانه فى صورته التى خلقها الله عليها ، والوحى من فوق سبع سماوات كما فى حديث الإسراء " (2)
ولا تحسب – صديقى الحبيب السائر على درب الوصول للحق – لا تحسب هموم الدعوة بالأمر ، حيث كان لزاما على النبى أن يصارع قوما ما هم بالمصدقين وما هم بالراضين أن يتنازلوا عن مكتسبات الكفر من خمر وزنا وسيادة ، ولا يظن ظان أن المجتمع العربى قبل الإسلام كان شرا كله ، بل كان الخير موجودا وهو ما ظهر فى استجابة عدد من طاهرى النفس لدعوة النبى صلى الله عليه وسلم .وها هو أمر الله تعالى يأتيه أن :
" أنذر عشيرتك الأقربين " فبدأ بقومه ، فلما أبلغهم بدعوته ؛ " ناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته "
ولا شك أن أبا طالب قد رد عداوات كثيرة عن النبى الكريم ، يفصلها صاحب " السيرةالنبوية " حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش لرسول الله ، فتذامروا فيه ، وحض بعضهم بعضا " (3)
فما غدر به أبو بكر أبدا ، حين طلبوا تسليمه لهم ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الظاهرة القرآنية - سابق - صـ 186 وقد بحثت على يقين حول هذه المعلومة الخاصة بهجران الوحى للنبى عامين كاملين بعد الوحى الأول فلم أجد فى كتب السيرة المشهورة مثل البداية والنهاية والسيرة النبوية وغيرهما .
(2) زاد المعاد - ج1 صـ 14،15
(3) السيرةالنبوية – ج2- صـ100
يقول عنه حسان :
إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها بعد النبى وأوفاها بما عملا
والنبى يقدم هديته الكريمة لنا من صحابته الكرام ، ويقلد كل واحد منهم وساما يليق به :
" أرحم أمتى أبو بكر ، وأقواهم فى دين الله عمر ،وأصدقهم حياء عثمان ،وأقضاهم على بن أبى طالب ، وأفرضهم زيد وأقرؤهم لكتاب الله أبى بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأمين هذه الأمة أبوعبيدة بن الجراح ،وأبو هريرة وعاء العلم " (1)
وانظر لروعة مناقشاته مع أصحابه ، وصورة هذه " الديمقراطية "الحقيقية التى لا تتطاول على أحد ولا تنقص من قدر أحد ولا تتعالى على غيرها ، أتى عثمان بن مظعون للنبى صلى الله عليه وسلم ، فقال :
"يا رسول الله : إنى لا احب أن ترى امرأتى عورتى ( أو قال عريتى ) قال رسول الله : ولم ؟
قال : أستحى من ذلك وأكرهه . قال الرسول : إن الله جعلهالك لباسا وجعلك لها لباسا ،وأهلى يرون عريتى وأنا أرى ذلك منهم . قال عثمان : أنت تفعل ذلك يا رسول الله ؟قال :نعم . قال عثمان فمن بعدك .فلما أدبر قال رسول الله : إن عثمان لحيـيٌ سـتـّيِـر " (2)
العبرةهنا بالنبى المعلم الذى لا يستنكف أن يناقش أحدا فى أخص أمور حياته ، بل وينير بصيرته ، بل ويوسع ما ضيق على نفسه … وقد لاحظ الغربيون ذلك فى سلوك النبى وأفاضوا فيه ، فقال توماس كارليل :
" وكانت نية محمد حتى الآن أن يشهر دينه بالحكمة والموعظة الحسنة فقط ، فلما وجد أن القوم الظالمين لم يكتفوا برفض رسالته السماوية وعدم الإصغاء إلى صوت ضميره وصيحة لبه ، حتى أرادوا أن يسكتوه فلا ينطق بالرسالة - عزم ابن الصحراء على أن يدافع عن نفسه دفاع رجل ، ثم دفاع عربي ، ولسان حاله يقول ( أما وقد أبت قريش الا الحرب فلينظروا أى فتيان هيجاء نحن )- وحقا رأى أن أولئك القوم صموا آذانهم عن كلمة الحق وشريعة الصدق ، وأبوا إلا التمادي في ضلالهم يستبيعون الحريم ويهتكون الحرمات ويسلبون وينهبون ويقتلون النفس التى حرم الله ، ويأتون كل اثم ومنكر ، وقد جاءهم محمد من طريق الرفق والأناة فأبوا لم لا عتواً وطغياناً " (3)
تبقى قضية يعشق الغربيون الخوض فيها ، رغم أنهم لا يملكون فيها دليلا ولا منطقا ، ألا وهى قضية انتشار الإسلام بالقوة .
واسمح لى بأن أرفق لك شيئا من الإحصاءات المعتدلة :
قدر عدد المسلمين في آسيا بأكثر من 752مليون نسمة ،
منهم 470 مليونا يعيشون في الأقطار السلامية أي بنسبة 63% تقريبا
من إجمالي عدد المسلمين في آسيا بينما يقدر عدد المسلمين الذين
يعيشون في أقطار غير إسلامية بأكثر من 282مليونا أي بنسبة 73% من
مجموع مسلمي آسيا
.ــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الاستيعاب لابن عبد البر – صـ7
(2)القصة بتمامها فى – طبقات ابن سعد – الجزء الثالث – صـ366وانظرها فى سير أعلام النبلاء ج1ص157
(3) الرسول فى الدراسات الاستشراقية – محمد شريف الشيبانى – صـ42
وتتزايد أعداد المسلمين في العالم ما بين 21إلى 25مليونا في السنة*.
أما بالنسبة للأقليات المسلمة في أوربا فيصل عددها إلى 15مليونا ، ويعيش في يوغسلافيا وحدها أكثر من خمسة ملايين مسلم .
ويتعرض المسلمون في بلغاريا لضغوط تعسفية وصلت إلى حد إجبار المسلمين بالقوة على تغيير أسمائهم أو إضافة لاحقة بلغارية إلى أسمائهم فيصبح اسم محمد (محمدوف) وأحمد (أحمدوف)، وتحرم السلطة البلغارية إطلاق الأسماء الإسلامية أو غير البلغارية على المواليد الجدد ، وتحرم كذلك أداء
الفرائض الدينية الجماعية كصلاة الجمعة والعيد .
وجدير بالذكر أن عدد المسلمين في بلغاريا يصل إلى أكثر من 2,5 مليون مسلم .
ــــــــــــــــــ
وهناك منظمة عالمية للتنصير مقرها أوربا جندت
الأموال الطائلة والكفاءات العالية لتنصير المسلمين
ويقدر عدد الذين يعملون في مجال التنصير 17مليونا ،
وقد قال روي جورج رئيس المنظمة: (ينبغي محاربة الإسلام
في نفوس المسلمين المقيمين في أوربا ، وقال : إن الملايين
العشرة من المسلمين المقيمين في أوربا هدية بعثها الله لنا ) .
عن : - المسلمون ، جريدة المسلمين الدولية ، 30رجب 1405هـ ، ص10 .
ـــــــــــــــــــــ
يزيد عدد المسلمين في أستراليا على 300ألف مسلم ،
وقد عرف الإسلام طريقه لأستراليا في فترة استكشافها حينما استخدم
الإنجليز الإبل وسيلة للتنقل في مناطق أستراليا الصحراوية ،
واستعانوا ببعض المسلمين من أفغانستان وباكستان لقيادة تلك الإبل ،
وقد أنشأ هؤلاء المسلمون المساجد ، لذا فليس غريبا أن يقول أحد
المكتشفين الإنجليز بأن صوت الأذان دوي في أرجاء القارة الأسترالية
قبل أن تدق أجراس الكنائس .
- تقرير بعثة الأزهر إلى أستراليا ، جريدة الشرق الأوسط (العدد1866) في 4/4/1404م .
_____________
جزء مقتطع من كتاب لى حول سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم
أتمنى ألا تحول الهوامش دون تمام المتعة بسيرة المصطفى الكريم

الثلاثاء، 2 سبتمبر 2008

رمضان والشعراء

كلما ازداد المرء غوصا فى كتب التراث ، كلما أدرك سماحتهم ، وسعة أفقهم ، وقدرتهم على الاستمتاع بطيبات ما أحل الله لنا ، كذلك جرأتهم على ما قدسه غيرهم ، وهى جرأة غير محمودة على الدوام ، لكنه إخراج لما فى الباطن ، غير مكترثين بما يجرى ، وتناول الشعراء لشهر رمضان المعظم نموذج لهذا التنوع العجيب الثرى فى تراثنا العربى .
- الصوم فى القبر :
هذا هو ما رآه شبيل بن ورقاء ، والذى يقول عنه ابن قتيبة فى " الشعر والشعراء " أنه أدرك الإسلام ، وأسلم إسلام سوء ، وكان لا يصوم شهر رمضان، فقالت له بنته، ألا تصوم؟ فقال
:تَأْمُرُنى بالصَّوْمِ لا دَرَّ دَرُّهاوفى القَبْرِ صَوْمٌ لا أَباكِ طَوِيلُ .
وبلا شك ستستمتع بمحاورات طويلة حول النية ، وحول رمضان كاسم علم ، وهل يجوز أن نقول رمضان بلا شهر ، وستجد خلافا طريفا بلا شك بين اللغويين ، وسنجدهم يسترشدون برؤبة ابن العجاج الذى قال فى أرجوزته الشهيرة :
أتى في رمضان الماضي جاريةٌ في درعها الفضفاض
وياتى البغدادى فى " خزانة الأدب " ليذكر ما قاله ابن هشام اللخمي في شرح البيت السابق مستشهدا بجواز ورود كلمة رمضان بدون شهر وورد عن الكسائي، قال: كان الرؤاسي يكره أن يجمع رمضان، ويقول: بلغني أنه اسمٌ من أسماء الله تعالى.
ويبدو اهتمام الشعراء بمديح رمضان بالغا ، لكن العجيب أن ما اشتهر من ذكر شهر رمضان كان مزاح رمضان وأحيانا ذمه ، وأحيانا اللعب على التحلل من قيوده الشرعية ، وقد أكثر الشعراء من العشق فى هذا الشهر ، وحين كان يجابه من المحبوبة بذكر رمضان كان يبحث عن تبرير فنى شرعى فكاهى للميل عن خشية الحبيبة من الحرام ، وكأن الحرام فى رمضان لا فى غيره ،
وفى كتاب " قرى الضيف " لابن أبى الدنيا (عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس ) الصادر عن أضواء السلف بالرياض عام 1997م يروى المؤلف عن الصاحب :
راسلت من أهواه أطلب زورة فأجابني أو لست في رمضان
فأجبته والقلب يخفق صبوة أتصوم عن بر وعن إحسان
صم إن أردت تحرجا وتعففا عن أن تكد الصب بالهجران
أولا فزرني والظلام مجلل واحسبه يوما مر في شعبان .
ويبدو ظرف الشاعر فى تخريجه الشرعى ، حيث العشق واللقاء يراه نوعا من " البر والإحسان " ،
ولذلك فالصوم لدى شاعرنا هو صوم عن إرهاق المحبوب وإعناته ، وهو مفهوم لطيف حقا . الحرب على رمضان : أول من أعلنها – برأى أستاذنا الدكتور محمد رجب البيومى – هو الشاعر هو هذا الأعرابي الفدم الذي يروي ابن قتيبة في عيون الأخيار قصته فيقول:" قدم أعرابي على ابن عم له بالحضر، فأدركه شهر رمضان، فقيل له: يا أبا عمرو، لقد أتاك شهر رمضان! قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام! قال: أبِالليل أم بالنهار؟ قالوا: بل بالنهار؛ قال: أفيرضون بدلاً من الشهر؟ قالوا: لا؛ قال: فإن لم أصمْ؟ قالوا: تُضرب وتُحبس... فصام أياماً فلم يصبر، فارتحل عنهم إلى غيرهم وجعل ينشد: يقول
بنو عمي وقد زرتُ مصرَهم تهيّأ أبا عمرو لشهرِ صيامِ
فقلتُ لهم هاتوا جرابي ومزودي سلامٌ عيكم فاذهبوا بسلامِ
فبادرْتُ أرضاً ليس فيها مسيطرٌ عليّ ولا مناعُ أكلِ طعامِ"
غغير أنى لاحظت عدم تحديد ابن قتيبة زمنا لهذاالحدث ،إنما أورده فىحديثه عن آداب الطعام ، ذاكرا قبله وبعده طرائف الصائمين ،كهذا الذىرد على زوجته التى عزلته فى الصوم فقال لها :
أتأمرني بالصّوم لا درّ درّها وفي القبر صومٌ يا أميم طويل
وهوذات البيت الذى ذكره ابن قتيبةأيضا منسوبا لشبيل بن ورقاء فى "الشعر والشعراء " ، وأظن أن الفرزدق- المولود سنة 14هجرية - أيضا سباق فى ذكر رمضان ، وجاء فى "ديوان المعانى " لأبى هلال العسكرى استملاح المؤلف لمعنى أبيات الفرزدق التى يقول فيها : إذا ما مضى عشرونَ يوماً تحركت أراجيفُ بالشهرِ الذي أنا صائمهوطارتْ رقاعٌ بالمواعيدِ بيننا لكيْ يلتقي مظلومُ قوم وظالمهْويعلق قائلا "ومعاني هذه الأبيات كلها مبتكرة لم يسبق إليها الفرزدق." ص429-
أخبار الأكلة :
وقد ظلت ثورة البعض من الشعراء على رمضان ، وبدأوا يصفونه فى جرأة بالثقل ، والطول ، وتمنى بعضهم لو صار رمضان كله ليلا ، بلا نهار ، حتى لا يمتنعوا عما يشتهونه ، وإلى جانب ذلك فاضت أشعار الشعراء بالترحيب والتقديس والتبريكات بقدوم الشهر ، ومديح الممدوحين بتشبيههم به كرما وفضلا ، غير أن الطبيعة البشرية تتوقف عند الخارج عن الأطر دوما ، فينتظرون هذا الخروج ، وكأنه يمثل شىء شعروا به ولو شعورا عابرا ، ويبدو أن الجوع والخمر والنساء – بهذا الرتيب – أسباب ضيق الشعراء بالصوم ، خاصة وقد رأينا عجبا فى عشق بعض مشاهير العرب للطعام ، وفى " نهاية الأرب " يذكر النويرى طرفا من مشاهير الأكلة حيث ، يذكر أن معاوية بن أبي سفيان أتى بعجل مشوي، فأكل معه دستا من الخبز السميد، وأربع فراني، وجدياً حاراً، وجدياً باردا، سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلاء الرطب، فأتى عليه. ومنهم الحجاج بن يوسف، قال سالم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج مع ولده، وأنا غلام، فقالوا جاء الأمير، فدخل الحجاج وأمر بتنور، فنصب، وأمر رجلا يخبز خبز الماء ودعا بسمك، فأكل حتى أتى على ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الماء.ومنهم سليمان بن عبد الملك، روي أنه شوى له أربعة وثمانون خروفا، فمد يده إلى كل واحد منها فأكل شحم أليته ونصف بطنه، مع أربعة وثمانين رغيفا، ثم أذن للناس، وقدم الطعام، فأكل معهم أكل من لم يذق شيئا. ولذلك استقبل البعض من الشعراء شهر رمضان بالفرح ، لما يمثله لهم من " قطائف وكنافة وغيره ، ويذكرالعماد الأصبهانى فى " خريدة القصر وجريدة العصر" أبيات لابن اسيبويه الكاتب، وكان حاضراً عند القاضي الفاضل: وقال فى القطائف المقلوة: أَهلاً بشهرٍ غدا فيه لنا خَلَفٌأكلُ القطائف عن شربِ ابنةِ العنبمن كل ملفوفةٍ بيضٍ إلى أُخَرٍحُمْرٍ من القَلْي تَشْفِي جِنَّة السَّغَبوافى الصيامُ فوافتنا قطائفُهُ كما تَسَنَّمتِ الكُثْبانُ من كَثَبِولا أظنك صادفت جرأة فى البوح بالمنكرات ، مثل ما تقرأه فى ديوان المعانى " لأبى هلال " فى ليلة الشك ، وكيف استقبل الشاعر المجهول رمضان : أقول لصاحبيَّ وقد بدا لي هلالُ الفطرِ من تحتِ الغمامسنسكرُ سكرةً شنعاءَ جهراً وننعرُ في قفا شهر الصيام
ومن يطالع كتاب " حلية الكميت " لشمس الدين النواجى والذى طبعته سلسلة الذخائر رقم 27، سيجد كثيرا من دلائل عشق العرب للخمر بصورة لا تكاد تصدق . وربما لم يستقبل شاعر شهرنا الكريم أسوأ من ابن الرومى ، ومن طالع ديوانه سيجد ذما وذما وذما فى رمضان ، ورغم ذلك يجرؤ على تهنئة الخلفاء والسادة بقدومه ، ولذا وجدنا "الراغب الأصفهانى " فى "محاضرات الأدباء " يذكر ابن الرومى بعد ذكره لهذه الواقعة لمجوسى " أسلم مجوسي فأطل عليه شهر رمضان فعجز عن الصوم فقيل له: كيف ترى في الإسلام؟قال:وجدنا دينكم سهلاً علينا شرائعه سوى شهر الصيامويقول ابن الرومي: شهر الصيام وإن عظمت حرمتهشهر ثقيل ٌ بطيء السير والحركهيا صدق من قال: أيام مباركة إن كان يكنى عن اسم الطول بالبركه!ولا يذكر شعر رمضان وننسى ما نسب أبى العتاهية ، وأحيانا للمحاربى ، حدث بعض الرواة قال: دخل المؤمل بن أميل المحاربي مسجد الكوفة في يوم جمعة، وقد نمى إلى الناس خبر وفاة المهدي، وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك، فقال رافعاً صوته:(مات الخليفة أيها الثقلان) قال فقال جماعة من الأدباء: هذا أشعر الناس; نعى الخليفة إلى الجن والإنس في نصف بيت، وأمده الناس أبصارهم وأسماعهم متوقعين لما يتم به البيت فقال: (فكأنني أفطرت في رمضان)قال: فضحك الناس به، وصار شهرة.وجاء فى العمدة فى محاسن الشعر ونقده وفى حديث ابن رشيق عن غريب الرثاء وعن اللفظ الردىء مع جودة المعنى . وأخيرا رحم الله شاعرنا الأمير شوقى بك ، وقد زرع رايات فرحه حين ذهب رمضان ، وعاد إلى معشوقته :رمضان ولى هاتها يا ساقى مشتاقة تسعى إلى مشتاق .

الأحد، 23 مارس 2008

لـْو أَنّى أملكُ نصفَ نساءِ الدنيا !!





لـْو أَنّى أملكُ نصفَ نساءِ الدنيا !!
لأضعت سنينَ العمرِ جميعًا
أتأملُ هذا الثغرَ الباهرَ
وأشاكسُ هذا الخصرَ الساحرَ
وأضيفُ النهدَ النافرَ ….
فوق العودِ الطازجِ مثل الخسِ البلدىِّ الأخضر
فى لون عيون الحلواتِ جميعاً
…………
لو أنى أملك نصف نساء الدنيا !!
لكتبت القهرَ عليهنّ جميعا
فأصادرُ حريتَهنّ
وأخرس ألسنة لا تنطق إلا بالويل
وأصادر حرية هذا النهر من الفيروز
أتملك زهر الشهد فى يوم النيروز
وأغازل هذا العود
*********
لو أنى أملك نصف نساء الدنيا !!
لظللت أعب وأنهل حتى الرى
وحتى الموت
أشبع منهن ولا أبقى للشهوة صوت
أشعل أستار الغرفة نارا
أفشى أسرار النسوة أنهارا
وسآمرهن يَرُحْــنَ، يجـئن أمامى
يتعطرن كثيرا
يتخففن كثيرا
فلماذا يخشين سهامى
ولماذا أنام ؟!!!
وبين يدى أجمل من أحلامى ؟!!
*****
لو أنى أملك نصف نساء الدنيا !!
لعشقت الروح العربية
وأخذت لنفسى حورية
تصحبنى فى باقى العمر
حيث أكون …
فى مستشفىً للأمراض العقلية
.

الجمعة، 7 مارس 2008

من يعرف السر ؟ (قصة للأطفال ) ـ مهداة للكبير دائما عم فؤاد حجازى




قالت " بطوطة " لأمها :
- " رجاءً يا أمى .. أنا أخاف البحر .. أنا لا احب العوم "
ابتسمت الأم ضاحكة من قول البطة الصغرى ةمن ملامح الرعب التى ارتسمت على وجهها كلما فكرت أنها ذاهبة للبحر ..
قالت لها : حبيبتى .. لابد من تعلم العوم ، حتى تلتقطى السمك ببراعة "
قالت الصغيرة باكيةً : " أنا لا أحب البحر لا أحب العوم لا أحب السمك "
وأخذت تبكى
فى اليوم التالى ، ومع شعاع الشمس الذى قبّل خد " بطوطة " انطلقوا جميعا إلى البحر ، لكنها قررت الجلوس تحت شجرة ؛
لتشاهد أخواتها وأمها يسبحون ويلعبون وهم يشكلون دوائر تقترب وتتباعد ، ثم تقفز بطة لتلتقط سمكة ، وتهبط أخرى إلى الماء لتخرج بصيدها الفضى ,,
شبع البط اكلا ولعبا ، خرجت بعض البطات إلى الشط ، كل واحدة تمد رجليها بسعادة وانتشاء ، ثم تستلقى فى ظل شجرة ..
كل يوم يتكرر الأمر ، و" بطوطة " تزداد ضعفا وحزنا ؛ إلى أن قررت الأم قرارها ، واستلمت " بطوطة " ركنها اليومى ، وشبح الخوف من البحر ينام فى عيونها ،
ظلت تطالع أخوتها كالعادة ، فى انتظار أن تلقى لها واحدة بسمكة لتأكلها ، وإذا بها تسمع صوتا خلع قلبها رعبا ، التفتت حذرة ؛ فوجدت الثعلب أمام عيونها ،
ارتبكت ، لم تجد سوى الترعة ، فاندفعت إليها ،
وهى تصرخ طالبةً من ينقذها ، فوجدت البطات أخواتها يساندنها وكل واحدة تدفعها من جانب حتى استوت فى الماء ، وبدأت تعتاد الأمر ، بدأت أخواتها يتباعدن قليلا قليلا ، ولا تغيب عن عيونهن ، بدأت تستمتع بالعوم ، ثم قذفت منقارها لتصطاد سمكة ، سعدت بها ، ثم التقطت أخرى ،،، لم تستطع " بطوطة " منع نفسها من الضحك ، حين التفتت ، لتجد الثعلب المكار ينزع قناعه عن وجهه ، ليظهر وجه أمها الحبيبة .

هيكل ,, نصف قرن على الرحيل



وديعا كان .. كانه فرخ حمام ، حاضنا روحا غاية فى البراءة والرقة والثراء والبساطة ، ساخرا شاهرا سيفه الوحيد .. الكلمة التى تولد موقفا يحفظه الزمان .
وعلى قدر عمق رؤيته لمجتمعه ، يمتلك الدكتور محمد حسين هيكل بساطة مذهلة فى التعامل مع أبجديات الحياة المعقدة ؛ كما يمتلك ثراء روحيا مذهلا ،فقد خاصم السلطة فارتمت هى فى حضنه ، ففارقها فعادت إليه متيمة به ، ثم انتهى به الأمر بلا وزارة وبلا نيابة وظل بقيمته الأولى .. كاتب .
ولم يبايع هيكل مرة على قضايا أمته رغبة فى مصلحة شخصية أو غير ذلك ، بل كان عفيفا ، وقد وقف يوما فى الأمم المتحدة يلقى خطاب مصر ، فى 28/10/1946م فقال : " أما نحن فنريد لهذه الهيئة أن تكون حكما بين الأمم الكبرى والأمم الصغرى ، لا لمصلحة السلام فحسب ، بل لمصلحة العدالة والأخلاق الدولية "
وقد اثار الخطاب ولهجته الشجاعة ردود افعال عجيبة حتى ظن البعض انه عائد لتشكيل الوزارة ، ووصل هذا الكلام للملك فاروق ، الذى استدعاه طالبا منه تفسيرا ، فرد هيكل بحكمة وبلاغة : " إذا كانت الدولة تصدق انى اجهل الأداب السياسية فإنى لا أكون جديرا بمركزى ، يا جلالة الملك إن الساعة التى أعتز بها هى عندما أجلس إلى مكتبى وأحمل قلمى للكتابة "
صاحب " الفضيلة " :
ولد محمد حسين هيكل فى 20أغسطس عام 1888م فى قرية كفر غنام التابعة لمركز السنبلاوين دقهلية ، كان أبوه حسين أفندى سالم هيكل سيد قومه وعشيرته ،وكانت رياح البرجوازة المصرية قد بدأت فى الهبوب ، لتخلع ما تجذر فى أراضيها من اتراك حلبوها حلبا ، وتمنح بعض المصريين راحة مؤقتة من عبودية طويلة ، فبدأت طبقة الملاّك الوطنيين ، ومنها والد هيكل ، الذى دفع بابنه مبكرا لكتاّب الشيخ إبراهيم جاد ، فحفظ كتاب الله ثم انطلق إلى القاهرة ليلتحق بمدرسة الجمالية الابتدائية ، ثم التجهيزية ثم البكالوريا عام 1905م وهنا تبدا أول لمحة ضياء باهر للعلامة احمد لطفى السيد فى حياة هيكل ، حيث جاء لطفى السيد من " برقين " إلى كفر غنام ( والقريتان متقاربتان فى مركز واحد ) جاء معزيا فى جد هيكل ؛ ودار الحديث عن الدراسة التى عزم هيكل عليها فاجابه : الهندسة ، فأشار لطفى السيد عليه بدخول الحقوق ، بعدما وعده والده بالسفر إلى الخارج للحصول على الدكتوراه .
كان هيكل فى هذه الفترة يعود إلى قريته فى فترة " المسامحة " كما كان يطلق على الأجازة وقتها لكن لم يكن يشغل باله بأمور فلاحة الأرض كما ينشغل بها غيره حتى من أبناء الملاك
لكنه كان يهيم متأملا فى الريف ، وغارقا فى القراءة ، بل إنه بدأ "حرفة الصحافة " تهاجمه ، فأصدر مجلة للقرية دعاها " الفضيلة " ؛ كان يطبعها على " البالوظة " ثم يوزعها على القرية واجوارها ، وهو فى حاله هذه يضع لبنات ثقافته العامة فيعانق كتابات الإمام محمد عبده ويغوص فى مقالات أستاذه لطفى السيد ، ثم يتفتح أمامه افق جديد ، وهو يقرأ الحرية لجون ستيوارت مل ؛ و" العدل " لسبنسر ؛ و" الأبطال والثورة الفرنسية " لكارليل ؛ ثم ينتهى به المطاف بوصوله باريس طالبا للدكتوراه ؛ ويلتحق بمدرسة العلوم الاجتماعية العالية، ليحصل فيها على دراسات مختلفة، ويواظب على الاستماع لمحاضرات عديدة في الأدب الفرنسي، بعد أن أتقن الفرنسية وأصبح عسيرها ميسورًا له، هذا إلى جانب اهتمامه بزيارة المعارض، والمتاحف، والآثار. وظلَّ هيكل في باريس ثلاث سنوات حصل في نهايتها على درجة الدكتوراة في الحقوق من جامعة باريس سنة1913 م
وهناك يكتب يوميات باريس ،يدون فيها ما رأى من مشاهد أثرت فيه ، وكأن رفاعة بعث من جديد ؛ ليقتحم المجتمع الفرنسى مرة أخرى ؛ لكنه يحتفظ بكراساته فلا ينشرها ، فقد غرق فى الحنين لمصر ؛ فتجلى هذا الحنين فى درته الخالدة " زينب " فعاد إلى مصر برسالة دكتوراه عن " دْين مصر العام " وروايته " زينب " وكلاهما فى حب مصر ...
عِجلة عاشور :
ويبدأ هيكل حياته العملية بمكتب للمحاماة فى المنصورة ، ورغم ان المحاماة وقتها لم تكن لتدفعه لمواصلة دراسته حتى الدكتوراة ، ولكن طموحه الأدبى الذى لم يفارقه يجعله يذهب لصاحب دائرة من الدوائر الزراعية هو " البدراوى عاشور " ليقترح عليه ، أن يخصص جائزة كبيره باسمه فى الأدب تكون مشابهة لجائزة نوبل ،ويرد عليه " عاشور " قائلا :
"كنت اظنك يا أستاذ جئت تعرض علىّ بمشروع لأستثمر اموالى فى تربية الأغنام والمواشى "
ويعلق هيكل : " وهكذا أخفقت فى إقناعه ، وخسرت وظيفة محام لدائرة " البدراوى " فقد أبيت أن أربط مستقبلى بعجلة عاشور " …..
والثابت أن علاقة هيكل بالفكر والأدب ظلت ثابتة قائمة منذ أن كان طالبا بالحقوق وينشر مقالاته وقد عاوده الحنين وهنا يقرر هيكل طباعة " زينب " وتصدر عام 1914م ويكتب عليها بقلم " مصرى فلاح " وليس هناك فائدة من البحث عما إن كانت سنة النشر 1913م أم كما اثبت هيكل ذاته فى مقدمة بعض الطبعات أنه طبعها للمرة الأولى عام 1914م فقد نشرت مقالة فى مجلة البيان عام 1913م تتناول الرواية بالنقد مشيدة بهيكل رغم انه لم يثبت على الغلاف انها له ، وهو ما يؤكد ان المجتمع الثقافى المحدود فى هذا الوقت كان يعلم بنسبتها إليه ……
ورغم معاول كثيرة وبحوث عديدة تحاول خلع رداء الريادة عن هيكل ، فإن رواية " زينب " كانت حدثا بلا شك ، حيث قدمت مستوى لغويا جديدا على القصة المصرية ، وكانت اكثر تسامحا فى استخدام العامية ، والتعبير بشكل اكثر شعبية ودفئا من غيرها ، كما انها قدمت موضوعا ملوثا بطين الفلاحين وغموس طعامهم وروث بهائمهم ، ثم إن ما منح الرواية مكانتها وريادتها ايضا هى الرؤية التى تنبع من الرواية ، فلأول مرة تصدر رواية تعبر عن فتاة من الريف وتسافر إلى داخلها لتلاحظ مشاعرها وفكرها وتلامس احزانها وتاملاتها ، وتتعامل معها باعتبارها إنسانة كاملة ..
- يسار الأحرار :
وفى عام 1917م ينتدب " هيكل " للعمل بالجامعة ، وكان فى هذا الوقت يكتب فى " الجريدة "
وفى " الأهرام " لكنه تمرد على قيد الوظيفة واستقال عام 1922م وكانت الثورة الكبرى قد قامت ، وكان هيكل قد أقام هو الآخر فى القاهرة ، وكان قد تزوج من " عزيزة هانم رضا "
كريمة عبد الرحمن رضا باشا وكيل وزارة العدل ، وكانت حقا نعم الزوجة لأنها تربت فى بيت يعى السياسة واحوالها ومطالبها ، فكانت خير عون له ، ويذكر انه لما حصل على الباشوية رفضت مناداته بلقب الباشوية مفضلة عليه لقبه العلمى " دكتور " وقد رزقه الله تعالى بابنه البكر " ممدوح " لكن ارادته تشاء أن يحرم من ولده ، ويأخذه الحزن القاتل إلى القلم ، فيخرج كتابه " ولدى " يبث الورق لوعة فقد الابن البكر ، وللدكتور هيكل ولدان :
حسين واحمد ، وخمس بنات ( عطية الله / هدية / بهيجة / فائزة …..)
هذا عن حياته الأسرية ، أما حياته السياسية فكعادة السياسة تقلبت به ومعه كثيرا منذ التجق بحزب " الأحرار الدستوريين " وكانت مصر من وقت السماح بوجود الأحزاب 1907م قد تنامى العمل الحزبى بها ، وتنوع فكان هناك الحزب الوطنى وحزب الأمة وحزب الأحرار الدستوريين وحزب الاتحاد وحزب الشعب وحزب السعديين وحزب مصر الفتاة إلخ
ولم يكن الحزب الذى اختاره هيكل خاليا من العيوب بالعكس فقد وصفه الأستاذ الرافعى بانه جزب لم يقم على اكتاف الناس بل خرج من رحم القصر ، كما ذكر العقاد أنه " عورة " فى جسد السياسة المصرية ، ولكن هيكل كان متزنا تماما فى علاقته بحزبه خاصة وهو رئيس تحرير جريدة " السياسة " التى تعبر عن الفكر الحزبى بعمق وتدافع – كما يفترض – عن توجهاته ، بحيث من الممكن ان تقول عن " هيكل " كان يسار الحزب ، وقد رأيناه فى يوم ما
يستشار من الهلباوى فى شأن ترشيح الهلباوى لنفسه فى الجمعية التشريعية بعد دوره فى قضية "دنشواى " ويصمت هيكل ويصر الهلباوى على استشارته ، فيقول له : " إن قضية دنشواى لم تكن قضية عادية يدافع فيها الهلباوى بك عن موقفه فيها بأنه ادى واجب المحامى ، بل كانت قضية بين مصر وانجلترا ، وقد وقفت سيادتك فى صف " انجلترا " .
ولم يرشح الهلباوى نفسه .
وليس ببعيد ما ذكره الأستاذ صبرى ابو المجد فى كتابه " سنوات ما قبل الثورة " ج4
واقعة معارضة " هيكل " لرئيس حزبه ، حين كتب هيكل مقالا عنفا صريحا ، بعنوان : "
نريد ائتلافا خالصا وأساس الائتلاف الخالص الصراحة " وكان يشير إلى محاولات الوفد إسقاط الائتلاف الوزارى الذى يشارك فيه الأحرار الدستوريون ؛ وقد أحدث المقال ضجة جعلت رئيس الحزب – محمد محمود باشا – يطلب من هيكل أن ينشر له مقالا يشير فيه إلى ان رأى هيكل لا يعبر عن الحزب ، فرفض هيكل بشجاعة نادرة ، وذكره الباشا بانه صاحب شركة السياسة التى تصدر الجريدة ، فقال له هيكل : " إذا كان صاحب السياسة هو الذى يطلب النشر فانا موافق بشرط ان انشر استقالاتى مع مقال معاليكم "
فرد عليه محمد محمود باشا قائلا : " لا تنشر كلمتى ولا تستقيل " وخرج .
وتدور الأيام دورتها ويصبح محمد محمود باشا رئيسا للوزارة ، ويقرر إحالة بعض المستشارين فى الاستئناف إلى المعاش ، ولكن هيكل لا يخفى استياءه من القرار ويرفض رفضا باتا ان ينشر اى كلمة تدافع عن قرار رئيس الحزب الذى هو رئيس الوزراء .
يا هَيْكَلُ .. بحقِ إنك أهبلُ :
وها هو كرسى الوزارة يأتى الرجل بلا دعوة ولا سعى ولا اشتياق ، وكانت البداية حين عين وزير دولة بوزارة الداخلية فى وزارة محمد محمود باشا الثانية فى 31ديسمبر 1937م ، ثم يتولى وزارة المعارف بعدها فيضع اساس اللا مركزية وينشا المناطق التعليمية ويبدا الاهتمام بالمناهج ؛ وتقع الحرب الثانية وتتغير الوزارة ، وتاتى وزارة حسن صبرى ويلى فيها هيكل وزارة المعارف إلى جانب وزارة الشئون الاحتماعية ، لكنه لم يكن عاشقا للعمل الوزارى ويفضل أن يتولى قيادة مجلس النواب حتى عام 1944م كما اختير سنة 1941م نائبًا لرئيس حزب "الأحرار الدستوريين"، ثم تولى رئاسة الحزب سنة 1943م ، وظلَّ رئيسًا له حتى ألغيت الأحزاب بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م
وقد كان لهيكل شرف تمثيل مصر في التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية سنة 1945م، كما تولى تمثيلها في كثير من المحافل الدولية، فمثلها رئيسًا لوفد مصر في الأمم المتحدة أكثر من مرة سنة 1946م
ومن طرائف الأحداث أنه فى فترة توليه رئاسة مجلس النواب ، اغرى البعض الشاعر حسين شفيق المصرى بكتابة قصيدة حلمنتيشية يسخر فيها من هيكل ، فكتب يقول :
" يا صاحبى يا هيكل .. بحق إنك أهبل "
وقامت الدنيا ولم تقعد وقبض على الشاعر وسجن وجاء الأستاذ حافظ محمود متوسطا لدى هيكل للإفراج عن الشاعر ، ففوجىء ان هيكل لا يعلم اى شىء عن الواقعة ، واتصل هيكل لحظتها بالنائب العام وقال له أنه لم يطلب هذا من احد وبدا حافظ محمود فى السعى حتى اكتمل خروج الشاعر من السجن وقد لجأ إلى القول انه كتب " بحق إنك أهيل " وليس اهبل .
جبريل يبرى قلم هيكل :
ونأتى سريعا لكتابته عن الأحباب ؛ والأحباب هم الرسول وأصحابه ؛والعجيب فى حياة هيكل – كمبدع ومفكر – أن "الأساسى " فى حياة هيكل يتوارى فى التأريخ له ، بينما " الاستثنائى هو الأبقى فى حياته ، وأعنى السياسة التى ابتلعت عمره ولم تبق إلا وقتا قصيرا للأدب والفكر الذى أعطى لنا قيمة هيكل فى حياتنا المعاصرة ,,,,,,
حتى أن رثاء العقاد لهيكل فى قصيدته الصافية التى مطلعها :
لا أحسب العام فى أسوان يسعدنى يوما بلقياه فى قومى وفى سكـنى
حتى يخص " إسلامياته " بالذكر قائلا :
أحببت سيرة من يحيون منصفهم من كل عال بتشييد العلا قمن
[ قمن أى جدير ] و"حياة محمد "درة التاج فى " إسلاميات " هيكل بلا شك ، لأنه قدم فيها منهجا جديدا حين اعتبر القرآن الكريم افضل مصدر لدراسة سيرة النبى عليه السلام ، ولذا خلصت الدراسة لوجه الحق والحق فقط كما قال هو ، ومن هنا اجتذبت من جعلوه شيطانا ومن جعلوه ملاكا ، فقد قرأنا لمن قال : " لو كنت فى عهد الرسول وانت تحتج للإسراء والمعراج ، بتلك الحجج التى تمد لها من نظريات العلم ، لما كان ابو بكر هو الصديق الوحيد"
ثم يقول : " وإنه ليخيل لى وانت تكتب أن جبريل يبرى لك قلمك ويصب المداد "
وفضلا عن كتاب " حياة محمد " فقد كتب " الصديق أبو بكر " و" الفاروق عمر " كما خطط لكتاب " بين الخلافة والملك " ولم يمهله القدر لإكماله ،,,,,,,,,
حيث توفاه الله تعالى فى الثامن من ديسمبر 1956م بعدما ترك كرسى مجلس النواب ، ليجلس فوق كرسى الخلود